فـي نقد مرجعية الخطاب السلفي المعاصر النص وضوابط الاجتهاد (1)

فـي نقد مرجعية الخطاب السلفي المعاصر النص وضوابط الاجتهاد (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 6394 1 تعليق

إن الخطاب السلفي (وأقصد بالسلف هؤلاء المفكرين ورجال الدين المعاصرين وليس المعتقد الديني والتراث النبوي للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام) مازال يرى نفسه في معركة ضد الآخر..

الدكتور بليغ حمدي

 صوب اكتشاف المرجعية

إن الخطاب السلفي (وأقصد بالسلف هؤلاء المفكرين ورجال الدين المعاصرين وليس المعتقد الديني والتراث النبوي للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام) مازال يرى نفسه في معركة ضد الآخر، والآخر بالنسبة له ربما المختلف أيديولوجيا رغم الاتفاق العقيدي، أو الآخر المختلف سياسيًّا، وربما أيضًا يستحيل في كثير من الأحايين المسيحي فقط، فالنصوص التي تعكس فكر هؤلاء تكشف عن مواجهة محددة للغرب الممثل في صورة مسيحي الداخل، وهي مواجهة تنظر إليه باعتباره معتد غاصب متنمر للإسلام وللمسلمين في كل مكان، ومن ثم يلزم محاربته والتصدي له. كما أن المثقف السلفي الذي بنى أفكاره بدءًا من فتاوى ابن تيمية، انتهاءً بفقه النفط الخليجي ينظر إلى الغرب أو كل ما هو ليس بإصدار عربي باعتباره استعمارًا.

لكن مفهوم الجهاد هو مصطلح مهيمن في الخطاب السلفي ولولا أن المساحة تضيق لسردت أسماء الكتب المعاصرة التي تتناول قضية الجهاد ضد الغرب وكأنها معركة الإسلام الحاسمة والفاصلة في هذا القرن، الذي ينبغي فيه أن نعمل بجدية لملاحقة من سبقونا في العلم والتكنولوجيا وربما الفكر أيضًا.

والناظر بروية للخطاب السلفي (الذي يرى الإصلاح هو مسألة الرجوع إلى الأصل أي ما كان سببًا في الصعود) يستطيع بسهولة أن يحدد عناصره وملامحه، فهو لا يخرج عن قضايا محددة، فهو تارة ينتظر جديد المؤسسة الدينية الرسمية من أخبار وفتاوى ومحاضر اجتماعات وتصريحات، حتى ينصب نفسه مدافعًا عن الإسلام الذي هو في الأساس في حماية مطلقة من الله، فما انطلقت بيانات تتعلق بالنقاب وجواز التبرع للكنائس وأحكام التعامل مع البنوك الأجنبية وشركات التأمين، وأخيرًا انتشار الزوجة الصينية بالأسواق. حتى نجد أقطاب الخطاب السلفي يفتشون في أوراقهم ودفاترهم فيستندون إلى فكر رجال نحسبهم على خير أولاً، لكنهم ليسوا بسيدنا محمد J ولا هم بخلافة الراشدين بمقربة.

ونجدهم تارة أخرى يدغدغون مشاعرنا بنصوص الرقائق التي ربما تنتهي بسامعيها إلى التسليم بقيم تبدو في ظاهرها إيجابية وفي مضمونها تغدو سلبية، في الوقت الذي نحتاج إلى تدعيم ونشر قيم العمل والإنتاج، وقبول الآخر طوعًا أو قسرًا أو محبة أو كراهية، المهم أن نقبله.

وفي الوقت الذي يصر أنصار هذا الخطاب أنهم يكسبون أرضًا جديدة في ميدان الفكر والحوار، أؤكد أنهم يخسرون أراض أخرى كثيرة. فهل بالجانب الشكلي الخارجي سنستعيد الحضارة والهوية، ولماذا يصر الخطاب السلفي أننا فقدنا حضارتنا وهويتنا، وإذا كان أنصار هذا الخطاب يؤكدون في كل لحظة على أن الماضي هو المرجعية التي ينبغي أن تحكم سياسات البشر، وفي هذا تعصب ديني قد يفسد الدين الحقيقي.

وأذكر بما فعله رسولنا الكريم (عليه الصلاة والسلام) يوم صلح الحديبية حينما تنازل عن كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في أعلى المعاهدة، هل في ذلك فقدان للحضارة والهوية؟، وهل حينما محى الإمام علي بن أبي طالب كتابة البسملة فقد هويته وحضارته؟ أم أن لأنصار الخطاب السلفي ماضيًا آخر غير الذي نعيه ونفهمه؟.

ولأنني انتقدت ظاهرة التعميم فيما سبق، فأنا لا أزعم أن الخطاب السلفي المعاصر يخلو تمامًا من فكرة التنوير والاستنارة التي هي جوهر التسامح وقبول الآخر، ولكنه يقترب من فكرة التنوير بقدر من الحذر والحيطة الذي يشوبه الغموض في التناول والمعالجة. وإن كان البعض سلفيين بفضل عوامل متنوعة، فأنا سلفي أيضًا، لكن بحكم الاختيار والاصطفاء، أليس الشيخ محمد عبده رجل التنوير الديني بلا منازع رجلاً سلفيًّا ينتمي للماضي. ولكن إذا حدثت أحد السلفيين عن الشيخ محمد عبده، فهو (في نظرهم): إما فاسق، أو عميل، أو متاجر بالدين، وهناك من حضرت له خطبة بالمسجد يكفره.

والشيخ يمثل نموذجًا نهضويًّا لإمام الدين المستنير، ولفظة النهضوي تثير غرائز إخواننا السلفيين نحو الهجوم على الشخص والكلمة، فهي في نظرهم تعني النزوع وراء سطوة الحداثة ورفض التراث بجملته، وهذا مخالف تمامًا لطبيعة الكلمة والدلالة. إلا أن النهضة والنهضوي والاستنهاض وكل الكلمات المنحوتة من لفظة نهض لا تعني تقويض البناء التراثي السلفي مطلقًا، بل هي إشارة عميقة إلى هضم التراث وتناوله بالتحليل وجعله منطلقًا وقويًّا للبناء والاستعلاء المستقبلي وهو ما يجسده الشيخ محمد عبده كليةً.

وأقول لهم: لا بد من إعادة النظر إلى فكرة التنوير في الخطاب السلفي، فمن العبث النظر إلى الدين على أنه تهديد للحريات، وبالتالي تهديد للتنوير، أي العقل والعلم معًا، فأكاد أجزم أن معظم النصوص التي أطالعها حديثًا تتضمن خرافات، والخرافة بعينها تجد انسجامًا في الأفكار الدينية، وليس المعتقدات الدينية، لاسيما الموضوعات التي تتعلق بالأخلاق.

إن جوهر الخطاب السلفي لا يقبل مجرد فكرة الاستماع إلى إمكانية الجمع بين الماضي المرجعي والواقع الفعلي المعاش الذي يتسم بالمعرفة والمتغيرات الوافدة الثقافية، وهو خطاب أحادي، فعجبًا ونحن في مصر ندعي أن الإسلام هو دين الأغلبية (وهو في الحق ليس ادعاء بحكم البيانات والإحصائيات)  ومع ذلك يصر الخطاب السلفي في نصوصه المعاصرة وبرامجه الفضائية الفراغية أنه يتحدث لقلة فقط، وأنا لا أزعم بل أكاد أجزم بأن جميع البرامج الفضائية الدينية لا تحاول الاقتراب من فكرة الحوار مع الآخر، بل أعجب من ذلك أن بعضها راح يشكك في إخلاص الأقباط للقضية الوطنية المصرية، وأنهم دائمًا عملاء للغرب، أو للاستعمار كما يزعمون.

ومن هنا أشير إلى أن المسلمين طوال تاريخهم الطويل لم يظلموا ذميًّا أو كتابيًّا، بل إن الأمر كان يوجه لجيوش المسلمين وعدم هدمها أو الإساءة إليها، كما أن أصحاب الملل الأخرى ارتقوا مناصب مهمة في كثير من الدول والإمارات الإسلامية دون تعصب ضدهم أو إساءة إليهم، وأن المؤسسات التعليمية والمكتبات الخاصة لهذه الملل استمرت تؤدي عملها في ظل الحضارة الإسلامية دون مصادرة لها أو تعطيل لعملها.

وللحديث بقية إن شاء الله

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.