فـي نقد مرجعية الخطاب السلفي المعاصر النص وضوابط الاجتهاد (3)

فـي نقد مرجعية الخطاب السلفي المعاصر النص وضوابط الاجتهاد (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 7131 1 تعليق

واجتهد المفسرون الأوائل في تفسير الحديث حتى أقروا توصيفه بأن المتنطعين هم المتكلفون للكلام فيما لا يقع، والمفرعون على مسائل لا أصل لها في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة الشريفة…

الدكتور بليغ حمدي

بقية:  ضوابط الاجتهاد

واجتهد المفسرون الأوائل في تفسير الحديث حتى أقروا توصيفه بأن المتنطعين هم المتكلفون للكلام فيما لا يقع، والمفرعون على مسائل لا أصل لها في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة الشريفة. وهو ما شدد عليه بعد النبي J الفاروق عمر 0، فلقد قال ابنه عبد الله بن عمر: ”  لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن السائل عما لم يقع، ويقول: أحرم عليكم أن تسألوا عما لم يقع، فإن لنا فيما وقع شغلاً “.

لكن في العصور الآنية وجدنا بعض الأئمة والشيوخ خرجوا بالاجتهاد الفقهي عن مقاصده المحمودة والمرغوبة، وسلكوا طريقًا غير ممهدةٍ عن طريق الدخول في تفصيلات وتفريعات فقهية لا نستطيع توصيفها فقط بأنها نادرة الحدوث بل إنها متخيلة ومن الصعوبة حدوثها. وهذا الخلل الذي أصاب منهاج الوسطية الإسلامية هو ملمح خطير للتراجع الحضاري، ووجدنا اليوم تضخمًا كبيرًا في فقه العبادات وضمور الاجتهاد أو التفقه المستنير في بقية الأبواب الشرعية مما زاد من هوة الخلافات والجدل بين عموم المسلمين.

ونورد جملة من الأمثلة في الخلاف الفقهي التي أوردها شيخنا عبد الجليل عيسى في كتابه الماتع ” ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين ” والتي ذكر فيها بعض الأشياء التي تبطل العبادة عند بعض العلماء ولا تبطلها عند غيرهم. ومن ذلك الدعاء بشيء من متاع الدنيا في التشهد الأخير مبطل للصلاة عند الحنابلة، وهو جائز عند المالكية. وصلاة المأموم الواحد خلف الإمام أو عن يساره عند خلو يمين الإمام باطلة عند الحنابلة صحيحة عند غيرهم. وزيادة ( ورحمة الله ) بعد ( السلام عليكم ) عقب الفراغ من التشهد الأخير في الصلاة ركن تبطل الصلاة بتركه في الفرض عند الحنابلة، ولا تبطل الصلاة بتركه عند غيرهم.

ومن الشواهد التي يسوغ فيها الخلاف بشرط عدم التعصب للرأي البسملة في أول الصلاة، فهي فرض عند الشافعية وسنة عند الحنفية، وقراءة المأموم للفاتحة في الصلاة السرية فرض عند الشافعية، مندوبة عند المالكية. والسجود على اليدين وأطراف القدمين مع الجبهة أثناء الصلاة فرض عند الشافعية، وسنة عند المالكية.

والمشكلة القائمة بين المسلمين اليوم هي الارتكان إلى ثقافة السماع دون تكليف الذهن بتحري المعرفة الدينية، وربما سطوة الحياة المعيشية هي التي أجبرت المواطنين إلى العزوف عن القراءة الفقهية المتعمقة رغم أن معرفة العبادات وتفقهها فرض عين على الجميع خاصة وعموم، وأن أداء العبادات بغير علم أو دراية أو معرفة عميقة قد يخرجها عن دلالتها وحضور الذهن والنفس معًا أثناء تأديتها.

أسباب الوقوع في الخلاف

وجملة من الأسباب التي أودت إلى ظهور الخلافات الفقهية والتي ربما راح ضحيتها عموم المسلمين؛ لأنهم أخذوا ببعض الآراء دون غيرها، واقتصروا على وسائط دينية قاصرة بغير تحمل عناء البحث عن المعلومة الفقهية السديدة فكان عرضة للخلاف.

ومن هذه الأسباب غفلة الكثير عن تحذير النبي J من التشدد في الدين، عملاً بقول الله تعالى في محكم التنزيل: )يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ( (البقرة: 185). وقوله تعالى: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( (الحج: 78). وعن أبي موسى الأشعري قال: لما بعثني رسول الله J أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: “يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا”.

ومن أسباب الوقوع في الخلاف عدم عناية المتأخرين بالتحري عن ظروف كثير من أوامر النبي J وإرشاداته وتوجيهاته، هل المراد أن تكون تشريعًا عامًّا دائمًا، أو خاصًّا ببعض الناس دون بعض، أو بعض الظروف دون بعض، وهذه الأمور كلها لها ضوابطها وشرائطها المعقودة. ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري عن النبي J أنه نهى عن ادخار شيء من لحوم الأضاحي أكثر من ثلاثة أيام، فلما جاء العام الثاني وتحدث الناس عن عدم الادخار قال لهم رسول الله J: “كلوا وادخروا ما شئتم، وإنما نهيتكم في العام الماضي لأنه كان بالناس فيه مجاعة، فأردت أن تعينوهم فيها”.

ومن أبرز أسباب الاختلاف الفقهي غفلة الكثير من عموم الناس عن أن رسول الله J كثيرًا ما كان يجيب السائل أو يأمر الرجل أو ينهاه بما يناسب حاله هو بعينه، وقد لا يناسب غيره، وكثير من المتأخرين ينقل للسامع حديثًا أو شاهدًا نبويًّا شريفًا دون أن يرصد له شروط الرواية والحادثة والسياق الذي ورد فيه الحديث، وهذه تعد من الأمور التي تحدث لغطًا بين الناس. ومن هذا أن رجلاً سأل النبي J: أي الأعمال أفضل؟ فقال له: “الجهاد في سبيل الله”. وسأله رجل هذا السؤال نفسه فقال: “بر الوالدين”. وسأله ثالث فقال: “كف الأذى عن الناس”. وقال لرابع: ” أفضل الأعمال الصدقة على الفقراء”.

وفي هذا يخبرنا الحافظ ابن حجر أنه يؤخذ من هذه الأحاديث تخصيص بعض أعمال الخير بالحث عليها وذلك طبقًا لحال المخاطب وحاجته للتنبيه، والرسول في هذا أشبه بالطبيب الماهر الذي يصف الدواء حسب حالة المريض، ولكن المأساة أن العوام وبعض الشيوخ الذين لم يتفقهوا جيدًا يأخذون الأمور والشواهد على عموميتها وظواهرها فقط دون الرجوع إلى سياق الخطاب نفسه وإحداثياته.

ويشير أبو إسحاق الشاطبي أحد علمائنا الأجلاء النابهين في كتابه الموافقات إلى خطر كبير يعصف بالأمة الإسلامية ويمزقها وهو التعصب لرأي أو شيخ أو لجماعة أو لفرق دينية بقوله: “إن تعويد الطالب على ألا يطلع إلا على مذهب واحد ربما يكسبه ذلك نفورًا وإنكارًا لكل مذهب غير مذهبه ما دام لم يطلع على أدلته، فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين وخبرتهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه.

ومن هذا التعصب الشديد في الرأي ما قاله أحد مشاهير علماء الأحناف وهو الشيخ أبو الحسن عبد الله الكرخي حيث قال: ” كل آية أو حديث تخالف ما قرره علماء مذهبنا فهي إما مؤولة أو منسوخة”.

والعجيب أن ديننا الحنيف أقر برفع الشقاق والنزاع بين الناس وضرورة التقريب والتسديد وإحياء الوحدة والاتحاد ورغم ذلك نجد كثيرين يدعون إلى الفتنة والشقاق وإثارة نعرات الخلاف، يقول الله تعالى: )وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (آل عمران: 105).

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.