في ذكرى النكبة.. الإرهاب يحتفل بتأسيس دولته!!

في ذكرى النكبة.. الإرهاب يحتفل بتأسيس دولته!!

islam wattan . نشرت في المدونة 2214 1 تعليق

لم يكتف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب المحتلة إلى القدس المحتلة 6/12/2017م، بل قرر افتتاحها في يوم 15 مايو 2018م، وهو اليوم الذي يوافق الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية وتأسيس دولة الكيان الصهيوني…

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

في ذكرى النكبة.. الإرهاب يحتفل بتأسيس دولته!!

لم يكتف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب المحتلة إلى القدس المحتلة 6/12/2017م، بل قرر افتتاحها في يوم 15 مايو 2018م، وهو اليوم الذي يوافق الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية وتأسيس دولة الكيان الصهيوني.

وليس موقف ترامب ببعيد عن موقف نصير الإرهاب (جورج بوش الابن) الذي وقف من قبل على تلة مسعدة ليقول: (متسادا يجب ألا تسقط ثانية). هذا القسم, وذلك العهد الذى يقسمه الجنود الصهاينة, وهو القسم ذاته الذى أدلى به الرئيس عندما تطوع جنديًّا فى خدمة (إسرائيل) وأجندتها الاستعمارية الاستيطانية.

بوش – راعى السلام!! – لم يكتف بالعهد والقسم بل أطلق جملة من المواقف التصعيدية ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين, تزامنًا مع الذكرى الستين للنكبة والتشرد والضياع, مؤكدًا أن إسرائيل ليست 7 ملايين بل 307 مليون, أى: أن الولايات المتحدة الأمريكية ستقف لحماية المشروع الصهيونى, وأن إسرائيل لن تستطيع البقاء من دون الحماية الأمريكية.

تَمَاهِى بوش ومن بعده ترامب مع الطروحات اليمينية الصهيونية كشف زيف الوعود الكاذبة بإقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطينى, كما كشف أن الاعتماد على أن التسوية بضمانات أمريكية مراهنة خاسرة, وأن الشعب الفلسطينى لا بد أن يستعيد زمام المبادرة من تلقاء نفسه توحدًا فى الصفوف والمواقف, والتفافًا حول إستراتيجية التحرير, وأن أى محاولة أمريكية لتلطيف المواقف التى أطلقها بوش لن تفلح فى تغيير الحقائق، وجاء ترامب ليكون أكثر حسمًا من سابقيه وينقل سفارة الاحتلال ويعمل على إنهاء حلم إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

أمريكا أثبتت مرارًا وتكرارًا أنها دولة منحازة, ولا تصلح وسيطًا نزيهًا لحل الصراع, وأن تجاهلها لنكبة الأمة الإسلامية فى فلسطين نابع من قناعات أيديولوجية (الصهيونية المسيحية) لم تفلح معها كل محاولات التجميل بل أكثر من ذلك, فخطاب بوش قد أعطى للكيان الصهيونى الضوء الأخضر بالعدوان على الفلسطينيين وغيرهم, مما يدفع للقول بأن القادم هو الأسوأ.

خصوصًا وأننا قد شهدنا اتفاقات سلام ومبادرات للحل بلغت (11) مبادرة, ولم تتقدم القضية إلى الآن خطوة واحدة, وما زالت إسرائيل تعانى العزلة على الرغم من اتفاقات السلام معها, كما يتخوف الكيان الصهيونى الذى يحتفل بعيد ميلاده الـ (70) من أنه لم يعد ذلك الكيان الذى يخشاه الجميع, وأن ثقبًا قد حدث فى جدار قوته بحرب لبنان الأخيرة 2006م, وكان علينا أن نواصل توسيع هذا الثقب بتبنى إستراتيجية التحرير!!، لكن قرار ترامب جاء ليعيد للاحتلال الثقة المفقودة ويحقق أحلامه التي كانت فيما مضى مجرد أحلام.

  الإرهاب يؤسس دولة

استطاعت الصهيونية بالإرهاب وأدواته أن تؤسس دولة, كما استطاعت تلك الدولة بالإرهاب وأدواته أيضًا, أن ترسخ كيانها, وتوسع حدودها, وتمد هيمنتها إلى ما بعد تلك الحدود.

ولقد كان الإرهاب, ولا يزال, أحد المقومات الفكرية الأساسية للحركة الصهيونية, وأهم الأساليب التى طبقتها الصهيونية لتحقيق غرضها الأول, وهو إقامة إسرائيل. لذا فقد اقترن إنشاء دولة إسرائيل بأبشع أشكال الإرهاب وأفظع أنواعه. ثم أخذت إسرائيل عن الصهيونية الإرهاب, فكرًا وأسلوبًا, لتمارسه ضد الشعب العربى الفلسطينى والدول العربية.

وتاريخ الحركة الصهيونية وإسرائيل حافل بسلسلة طويلة من أعمال الإرهاب والقتل الجماعى, بمثل ما هو التراث الفكرى الصهيونى والإسرائيلى غنى بالأعمال الفكرية التى تعبر عن الإرهاب, عقيدة ووقائع. فقد نشر قادة الصهيونية وزعماء إسرائيل ومفكروهما مؤلفات كثيرة بحثوا فيها الإرهاب كعقيدة وسياسة ووسيلة, وتحدثوا عن المنظمات الإرهابية وأيديولوجياتها ونشوئها وتنظيمها وأهدافها وإنجازاتها والجرائم التى ارتكبتها. ويمكن القول إنه ليس فى العالم القديم أو المعاصر تراث عسكرى أو سياسى لأى شعب من الشعوب يشبه التراث الصهيونى والإسرائيلى عن الإرهاب.

وعندما فكرت الصهيونية فى إقامة دولة يهودية خالصة فى فلسطين رأت أن ذلك لن يتم إلا بإبادة سكان البلاد الأصليين, أو طردهم عن طريق الإرهاب. وعلى هذا شكَّل الإرهاب والعنف منذ البداية صلب الخطة الصهيونية الرامية إلى احتلال فلسطين.

وهكذا استعملت الصهيونية فى غزوها فلسطين, ومن ثم دولة إسرائيل فى تثبيت كيانها, وتوسيع حدود احتلالها, وتفريغ فلسطين من أهلها – أساليب إرهابية كثيرة استمدتاها من الفكر الصهيونى والتقاليد الموروثة فى هذا الفكر. فالمذابح الجماعية التى تحدثت عنها كتب اليهود القديمة فى أكثر من موضع هى النموذج الذى استخدمته وسارت على هديه فيما بعد المنظمات الصهيونية وإسرائيل فى دير ياسين, وقبية, وغزة, واللد, والرملة, ونحالين, وكفر قاسم (فى فلسطين), والفاكهانى وصبرا وشاتيلا والجنوب اللبنانى وقانا (فى لبنان) وسواها. وهى المذابح التى تمت كلها لتحقيق هدف واحد هو إبادة الشعب الفلسطينى وتصفيته جسديًّا بالقتل والتهجير.

وإذا كانت مذابح الفاكهانى وصبرا وشاتيلا والجنوب اللبنانى وقانا (1981- 1982- 1996م) قد استهدفت التصفية الجسدية للمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطينى فى المنافى, وللمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال, فإن مذابح دير ياسين (1948م) وكفر قاسم (1956م) والخليل (1994م) كانت تستهدف إضافة على التصفية الجسدية للشعب الفلسطينى تهجير من لم تطلهم المذابح عن طريق بث الرعب فى نفوسهم ودفعهم إلى مغادرة البلاد.

ولعل أكثر ما يجذب الانتباه فى سلسلة المذابح التى نفَّذتها الصهيونية وإسرائيل ضد الشعب الفلسطينى أن المنفذين كانوا دائمًا يعرفون ما يفعلون, وأن اتجاه العنف والإرهاب والقتل الجماعى الذى تَرَبَّتْ عليه الكوادر الأولى المؤسِّسَة للجيش الإسرائيلى ظلت – ولا تزال – تتناقله أجيال الجيش الإسرائيلى والقيادات الصهيونية والإسرائيلية جيلاً بعد جيل.

آليات الإرهاب الصهيونى

والإرهاب الصهيونى/ الإسرائيلى ليس وليد اليوم أو الأمس. فهو يضرب بجذوره فى أعماق الفكر والممارسة الصهيونيين, وفى جذور دولة إسرائيل وقيادتها وأجيالها ومؤسساتها وأحزابها ومجتمعها المدنى. يقول الدكتور هيثم الكيلانى فى كتابه (الإرهاب يؤسس دولة): وحينما يستعرض أى باحث التاريخ الفكرى والوقائعى للصهيونية وقادتها, ومن ثم قادة دولة إسرائيل من بعدهم, فإنه يستنتج الملاحظات الآتية:

1- تأسس المشروع الصهيونى سواء فى مرحلة صياغة مفهومه, أو مرحلة رسم خططه, أو مرحلة التنفيذ على المبادئ الأولية التى بناها الفكر اليهودى طوال تاريخه, وأبرزها أن اليهود هم شعب الله المختار, وأن سائر البشرية هم الأغيار الذين يأتون فى سلم الشعوب بدرجات هى أدنى من مرتبة شعب الله المختار, وأن من حق هذا الشعب أن يستخدم الأغيار لخدمته ومن أجل مصلحته.

2- انبنى على هذه النظرية العنصرية ما يترتب عليها من نوازع وأخلاق, كالحقد والكره والاستعلاء والاستكبار, وما ماثلها من أخلاق تولدها العنصرية, وتجسدها تيارات وحركات كانت تمثل فى التاريخ القديم والحديث والمعاصر فلسفة ومرجعية لبعض أنظمة الحكم, كمثل النازية والفاشية والعنصرية, فى ألمانيا وإيطاليا وجنوب أفريقيا. وقد زادت الصهيونية عليها جميعها بأن انفردت بتأسيس دولة جوهرها العنصرية ووسيلتها الإرهاب.

3- حينما تعاملت الصهيونية مع العرب كانت قد صنَّفتهم فى درجة دنيا فى سلم الأغيار, وهو ما أباح لقادة الإرهاب الصهيونى/ الإسرائيلى أن يستخدموا جميع الوسائل الممكنة للقتل والإبادة والاغتيال والطرد والإبعاد والاعتقال والتعذيب والنسف والتدمير والتخريب. وبذلك تأسست مدرسة للإرهاب خاصة بالصهيونية وإسرائيل, ومتمايزة عن غيرها من المدارس الإرهابية القديمة والحديثة والمعاصرة.

4- لاَزَمَ الإرهاب بمختلف أشكاله وأنواعه المشروع الصهيونى منذ بدأ زعماء الصهيونية التفكير فيه, وبخاصة (تيودور هرتزل). ولم تكن ملازمة الإرهاب للمشروع الصهيونى مؤقتة أو مرحلية, وإنما كان الإرهاب يشكل جوهر المشروع, بحيث إن المشروع كان سيفقد القدرة على التجسيد على الأرض لو لم يكن الإرهاب بمختلف أشكاله وأنواعه وأدواته سبيله إلى التنفيذ. ومن هنا يلاحظ ذلك التوارث فى الإرهاب بين قادة الصهيونية وزعماء إسرائيل توارثًا لا انقطاع فيه, ولا تباطؤ فى حركته, ولا نزول ولا انخفاض فى خطه البيانى, وبالتالى لا تراجع فى فكر الإرهاب, ولا تناقص فى قادته, لا من حيث الكم ولا من حيث النوع. بل يلاحظ تصاعد فى الخط البيانى فى حركة الإرهاب, وتكاثر فى أساليبه ووسائله, وتنويع فى أحداثه, وتزايد فى قادته ورجاله, حتى إن الإرهاب غدا عملاً يوميًّا عاديًّا, لا عيبًا أخلاقيًّا فيه, ولا رادعًا قانونيًّا يحد من غلوه ووحشيته.

5- ليس ضروريًّا أن يمارس القائد الإرهابى الإرهاب بنفسه أو بإشرافه, ذلك أن للإرهاب مستويات فى التفكير والتخطيط والتنفيذ. فثمة مفكرون يصممون فكرة أو مفهومًا لا يمكن تطبيقهما إلا بالقوة والعنف والإرهاب. وثمة زعماء يخططون للفكرة أو للمفهوم ويوفرون لهما العوامل والعناصر والأسباب والظروف والبيئة اللازمة لتطبيق الفكرة أو المفهوم بالقوة والعنف والإرهاب. ويأتى بعد أولئك وهؤلاء القادة المنفذون الذين يستخدمون القوة والعنف والإرهاب فى التنفيذ. وهكذا يصبح المفكر ورجل الأعمال والمزارع والعامل وأستاذ الجامعة والموظف والضابط والجندى وسواهم, جميعهم إرهابيون, كل فى موقعه وفى حدود عمله ومستواه الفكرى أو التخطيطى أو التنفيذى.

6- لا يقتصر التفنن والإبداع على فئة دون أخرى من الفئات الثلاث المذكورة, ففى كل منها مجال واسع لذلك, سواء من حيث التفكير أو من حيث التدبير. ويحتوى تاريخ الإرهاب الصهيونى/ الإسرائيلى على ابتكارات وإبداعات فى الإرهاب هى حصرًا من صنع الإرهابيين الصهيونيين/ الإسرائيليين وحدهم دون سواهم.

7- لقد كان من البديهى أن تنتج تلك الآلية الضخمة للإرهاب الصهيونى/ الإسرائيلى – التى تكاملت أجهزتها وتطورت حسب ما تتطلبه كل مرحلة من مراحل المشروع الصهيونى – أجيالاً متعاقبة متواصلة مع الإرهابيين, بحيث كانت كل مرحلة تتطلب أنواعًا وفئات معينة منهم, حسب ما تقتضيه متطلبات كل مرحلة. ففى المراحل الأولى كان المشروع الصهيونى يتطلب تكاثرًا فى فئة المفكرين والمخططين, حتى إذا بدأت مرحلة التنفيذ, وبخاصة قبيل إنشاء الدولة وفى السنوات الأولى من إنشائها كان قادة الإرهاب المنفذون يشكلون الفئة الكبرى. وحينما استقر كيان الدولة وتكاملت مؤسساتها العسكرية كان إرهاب الدولة هو المرحلة الغالبة, وكان الضباط يشكلون القوة الإرهابية الأولى. وبعد حرب 1967م وانتشار الاستيطان الاستعمارى فى الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان تشاركت المنظمات الإرهابية التطوعية الأهلية والدولة معًا فى التخطيط والتنفيذ للعمليات الإرهابية.

8- من الثابت أنه لا يوجد فى العالم كله ما يماثل إسرائيل فى ممارساتها لإرهاب الدولة. ذلك أن إسرائيل نفسها تأسست بالإرهاب, وعليه, واستمرت فى استخدامه؛ لأنه يشكل مقومًا رئيسًا من مقوماتها, وأساسًا من أسس استراتيجياتها العسكرية والسياسية. وما من مسئول صهيونى أو إسرائيلى, إلا كان إرهابيًّا فى الفكر, أو الممارسة, أو فى كليهما معًا. ومن يراجع تاريخ الإرهاب الصهيونى والإسرائيلى يجد أن أسماء معظم القادة والمسئولين الإسرائيليين مثل: بن جوريون وشامير ورابين وشارون وباراك… وغيرهم هم قادة للمنظمات الإرهابية السرية والعلنية أو مسئولون أو عاملون فيها.

لقد أصبحت إسرائيل نموذجًا حيًّا متكاملاً لـ (إرهاب الدولة), وهو نموذج فريد لا يوازيه أو يماثله أى (إرهاب دولة) بين دول العالم. وعلَّة هذا التفرد والنموذجية تكمن فى أن إسرائيل لا تقيم أى وزن أو اعتبار لأى ميثاق أو التزام دولى أو أخلاقى. وليس فى العالم كله دولة تبزّ أو تضاهى أو تماثل إسرائيل فى تحللها من كل التزام دولى أو أخلاقى. ولهذا فقد هانت على إسرائيل جميع المواثيق والمعاهدات والاتفاقات والإعلانات والقرارات الدولية التى قامت إسرائيل على أساسها أو انضمت إليها وأيدتها.

وما بين إرهاب الصهيونية وإسرائيل ومذابحهما ضد الشعب الفلسطينى منذ أن بدأ الغزو الصهيونى وحتى العام 1993م هناك 261 ألف شهيد, و186 ألف جريح, 161 ألف معوَّق, وقرابة مليونين من الفلسطينيين هُجِّرُوا بقوة السلاح والإرهاب على مدى نصف قرن, وأصبحوا لاجئين. وهؤلاء الذين أُخْرِجُوا – وهم مليونان – أصبحوا الآن خمسة ملايين وأربعمائة ألف نسمة [محمد حسين هيكل: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل, الكتاب الأول, دار الشروق, القاهرة 1996م, ص 25].

مراحل الإرهاب الصهيونى

لأن الإرهاب يشكل جوهر الصهيونية كعقيدة, ووسيلتها كخطة للتنفيذ كان من الطبيعى أن يطور هذا الإرهاب نفسه, ويبتدع أدواته بما يتناسب مع المتغيرات الدولية والإقليمية, ومع متطلبات كل مرحلة من مراحل عمله:

1- ففى مرحلة الغزو الصهيونى لفلسطين كانت الحاجة مُلحَِّة لدفع اليهود من الشتات إلى الأرض الجديدة. وفى هذه المرحلة لم تتورع الصهيونية عن إرهاب يهود الشتات أنفسهم حتى لا يكون أمامهم سبيل لإنقاذ حياتهم سوى الهجرة إلى فلسطين.

2- وفى مرحلة العقاب الجماعى فرضت إسرائيل عقوبة الحصار على الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لتجويعه وإفقاره وإفقاده مقومات العيش. وبذلك انخرطت إسرائيل فى شبكة الحصارات التى خططت لها الولايات المتحدة الأمريكية فى المنطقة العربية, فتعاقب هذه الدولة العربية أو تلك بفرض حصار عليها يطال الدولة كمؤسسة, ويُعَرِّضُ شعبها للحرمان والفقر والجوع والمرض وبؤس العيش.

3- وفى مرحلة أخرى وجدت إسرائيل أن التلويح بامتلاك السلاح النووى مفيد كقوة رادعة ضد العرب. [فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق (شيمون بيريز): (مادام جيراننا (العرب) يشكون فى أن إسرائيل تملك سلاحًا نوويًّا فإن هذا يشكل رادعًا… دعهم يتشككون فلست أجد داعيًا لتهدئة مخاوفهم), ويتفق وزير الخارجية الإسرائيلى آنذاك (إيهود باراك) مع رئيس الوزراء فى هذا الاتجاه, فقد أعلن: (إن قوة إسرائيل العظمى تكمن فى تخيل الضمير العربى, قادة وشعوبًا, أن إسرائيل قوة نووية). وهكذا يتحدثون, وهكذا يعلمون أطفالهم]. [صحيفة الأهرام, 5/4/1996م].

وهكذا يفتخر قادة إسرائيل بإرهاب الضمير العربى, أمة وقيادات ودولاً, ذلك لأن الترسانة النووية الإسرائيلية ليس أداة للردع؛ إنها أداة للإرهاب النووى. لقد اسْتُخْدِمَ تعبير الردع النووى بين الدول النووية كوسيلة لمنع استخدام السلاح النووى, فى حين أن إسرائيل تستخدمه للإرهاب والابتزاز.

التحالف الأمريكى الصهيونى

وما كان لهذا الإرهاب الصهيونى/ الإسرائيلى أن يبلغ هذا المستوى من التنوع ومن القدرة على استخدام أدواته, لولا أنه يحظى بالتأييد الدائم والمتنوع من الولايات المتحدة الأمريكية, وهو تأييد فاق كل ما عرفه التاريخ فى العلاقات بين الدول من تأييد مادى أو معنوى. ويبدو أن هذا التأييد سيبقى شاذًّا وفريدًا فى التاريخ المعاصر.

لقد تطور التعاون الإستراتيجى بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تطورًا لا يبدو أنه سيبلغ مستوى أو حدًّا أو سقفًا ينتهى عنده, وإنما هو متوالد بعضه من بعض, صاعد إلى الأعلى ومتسع أفقيًّا دومًا. وهدفه الأول أن تبقى إسرائيل هى الأقوى من جميع الدول العربية مجتمعة, والمتفوقة عليها عسكريًّا وتكنولوجيًّا وحضاريًّا, وأن تكون الدولة الوحيدة التى يحق لها أن تحوز السلاح النووى, وأن يحرم ذلك على أية دولة أخرى فى المنطقة, أو أية دولة إسلامية, وأن يكون لإسرائيل حق تدمير أى مشروع – أو الادعاء بأن هناك مشروعًا – يمكن أن يؤثر فى نوعية وحجم الخلل القائم الآن بميزان القوى بين العرب وإسرائيل.

لقد استطاعت إسرائيل بفضل مساعدات الولايات المتحدة وحمايتها إقليميًّا ودوليًّا لها ولمشروعها الصهيونى أن تطور إرهابها ليكون سبيلها إلى الازدهار الاقتصادى والهيمنة, مستخدمة فى ذلك تفوقها العسكرى. ذلك أن إسرائيل تطمح فى المرحلة الراهنة إلى أن يكون الإرهاب ودعوتها إلى السلام وفق مفهومها وأغراضها معًا وفى آن واحد هو طريقها إلى الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط, ليس من الناحية الاقتصادية فحسب, بل ومن الناحيتين الإستراتيجية والعسكرية أيضًا.

خلاصة الإرهاب الصهيونى

1- لقد مضى على بدء الغزو الصهيونى بالعنف والإرهاب لاحتلال فلسطين أكثر من مائة وعشر سنوات, وعلى قيام إسرائيل سبعون سنة, أى أن ثلاثة أجيال من الإسرائيليين قد تعاقبت جيلاً بعد جيل, وهى تحمل العقيدة الصهيونية نفسها, وتؤمن بالعنف والإرهاب ذاتهما, وتسعى على الخلاص من العرب بالقتل والإبادة والطرد والممارسات العنصرية والتدمير, أى بالوسائل ذاتها دون تغيير سوى ذلك التغيير الذى تبيحه التكنولوجيا الحديثة فى وسائل الإبادة والتعذيب والتدمير.

2- إن النفسية الإرهابية الإجرامية لا يمكن أن تتغير بتغير الأسماء. فتغيير أسماء الهاجاناة والبالماخ والإرجون وشتيرن إلى جيش الدفاع الإسرائيلى, وتغيير أسماء قادة إسرائيل ورجالها لا يعنيان مطلقًا أن تركيبهم النفسى والخلقى, وتصوّرهم للعلاقات الإنسانية, وموقفهم من العرب قد تغير. فأكثر رجال هذه المنظمات الإرهابية وقادتها هم اليوم من قادة إسرائيل ورجالها, أو من تلاميذ أو سلالات أو مدارس أو مذاهب أو عقائد أولئك القادة والرجال. ويكفى أن نتذكر ما ارتكبته إسرائيل, ولا تزال ترتكبه من قتل وتدمير وإرهاب ضد الشعب الفلسطينى واللبنانى والسوري, وضد الشعوب العربية الأخرى.

3- يتضح من المصادر الكثيرة المنشورة أن الصهيونيين والإسرائيليين الذين قادوا عمليات الإرهاب, ثم كتبوا عنها وصفوا جرائمهم بدقة, بحيث تلبسهم جريمة القتل والإبادة والإرهاب شكلاً وموضوعًا.

4- تشكل هذه المصادر الأولى فى الإرهاب الصهيونى/ الإسرائيلى مجموعة فريدة لا مثيل لها فى أى تراث تاريخى أو سياسى. ذلك أن القارئ يجد كتبًا فى عدة لغات كتبها (الكوماندوس) عن أفعالهم أثناء الحروب. وأما أن يجد تراثًا بكامله يبحث فى الإرهاب, ويؤكده, ويفلسفه, ويبرر وجوده, ويعطى تفاصيل أبشع الجرائم, فهذه ظاهرة جديرة بالتأمل لسبر أغوارها ومعانيها فى أدبيات البربرية واللا إنسانية فى العالم. وقد جاءت كتب هذا التراث الإرهابى من الغرب, ومن أكبر دور النشر فى أمريكا وأوربا, حيث تنتشر الازدواجية والتناقض فى القيم والمواقف, إذ يعدّ مجرم الحرب الألمانى مجرمًا, ويعد مجرم الحرب الإسرائيلى أو الصهيونى مؤسس دولة ورجل دولة.

كلمة أخيرة

خلال السنوات السبعين الماضية اندلعت أكثر من عشر حروب رئيسة وثانوية, القاسم المشترك فيها الرؤية الصهيونية, ولا تزال هذه الرؤية نفسها التى دفعت اليمين المحافظ لغزو واحتلال العراق, والعبث بمستقبل الشعوب العربية والإسلامية..

أما اللافت للنظر فإن أسرار هذه الحروب لا تزال لغزًا محيرًا, فكيف ينتصر لواء يهودى كان ضمن الجيش البريطانى فى الحرب العالمية الثانية على الجيوش العربية مجتمعة, وكيف لم تُفَك ألغاز الخامس من يونيه إلى الآن, ولماذا يصر البعض على أن العرب أضاعوا فرص السلام, ولماذا أخيرًا أصبح هؤلاء هم من يكتبون روايات التاريخ؟!!.

ينبغى أن نفتح النوافذ للهواء النقى, وقراءة ما بين السطور فيما يجرى فى المنطقة حتى نتلافى ما يدبر للمنطقة, فهناك عدة مشاريع تُطْرَحُ الآن فى مراكز الأبحاث الغربية تخص الثروات الطبيعية فى المنطقة, وإمكانية جعلها (موارد دولية) تخضع للقانون الدولى, وتقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة، ضعيفة، حتى لا تبقى دولة قوية سوى الكيان الصهيوني، وهنا تكمن الطامة الكبرى, وإذا نُفِّذَتْ هذه المشاريع تصبح نكبة 1948م مجرد مرض عرضى مقارنة بما يدبر لنا..

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.