فِقْهُ ‏الاجْتِهَادِ ‏والتَّجْدِيدِ ‏فِي ‏التَّصَوُّفِ ‏الإسْلامِيِّ

فِقْهُ ‏الاجْتِهَادِ ‏والتَّجْدِيدِ ‏فِي ‏التَّصَوُّفِ ‏الإسْلامِيِّ

islam wattan . نشرت في المدونة 4561 1 تعليق

سبق متصوفة الإسلام غيرهم في البدء بتجديد الخطاب الديني وإحداث الحراك الإيجابي في الفكر المرتبط بالعقيدة، ذلك كونهم على يقين بأن بوابة التجديد هي الاجتهاد، وهو الشأن الذي امتاز به التصوف الإسلامي عن الفلسفة التي لم تخرج عن الجدال أو نقل الطروحات الأجنبية التي لم تعد على مجتمعاتنا العربية إلا بالخلل الذي أصاب القيم ونظام الأخلاق بوجه عام…

الدكتور بليغ حمدي

الفرق بين المتصوفة وأهل الفلسفة

سبق متصوفة الإسلام غيرهم في البدء بتجديد الخطاب الديني وإحداث الحراك الإيجابي في الفكر المرتبط بالعقيدة، ذلك كونهم على يقين بأن بوابة التجديد هي الاجتهاد، وهو الشأن الذي امتاز به التصوف الإسلامي عن الفلسفة التي لم تخرج عن الجدال أو نقل الطروحات الأجنبية التي لم تعد على مجتمعاتنا العربية إلا بالخلل الذي أصاب القيم ونظام الأخلاق بوجه عام.

وهذا ما دفع الشاعر الكبير محمد إقبال في القول بإن الاجتهاد ارتبط بالفقه والتصوف أكثر من ارتباطه بالفلسفة في ثقافتنا العربية، نفس الأمر الذي جعل الشيخ مرتضى المطهري يؤكد على حقيقة مفادها الاجتهاد من معجزات الإسلام ؛ لأن الإسلام قادر على مواصلة دربه. وأقطاب التصوف اقتنعوا بأن منطق الاجتهاد هو التعامل مع النص بوصفه نصًّا مفتوحًا على المعنى.

والفرق بين المتصوفة وأهل الفلسفة في التعامل مع النصوص الدينية البشرية أيضًا كبير ؛ لأن التصوف بوصفه حالة من الحرية اعتبر أصحابه نصوص الفكر الدينية غير قابلة للانسداد أو الانغلاق، بخلاف الفلاسفة الذين وقعوا في شَرَك (بفتح الشين والكاف) النقل والاقتباس دون التجديد أو إعمال العقل بحرية كاملة وكافية.

القواعد الصوفية في الاجتهاد

وما امتاز به أقطاب التصوف أنهم اعتمدوا لأنفسهم قواعد رصينة في الاجتهاد عموما، وفي التعامل مع النصوص الدينية والفكرية على وجه الاختصاص، فحددوا متطلبات للاجتهاد، من أبرزها شدة الفحص للمقروء، وعدم التسليم المطلق لطرح بشري يقبل الصواب بنفس القدر الذي يقبل الخطأ أيضًا، كذلك عمق البحث، فكثير من المستشرقين اعتقد عن خطأ وعمد مقصود أن متصوفة الإسلام هم أهل القلوب فقط، ونأوا عن فكرة الاجتهاد العقلي المتميز، في حين أن الصوفيين الحقيقيين اجتهدوا في إعمال العقل والنظر والتدبر، بل سبقوا هؤلاء الفلاسفة في التخلي عن ذهنية التبعية، فضلاً عن التحرر من سلطة النقل والضغط الثقافي المجتمعي السائد.

وربما الاتهامات المتلاحقة التي نالت من التصوف بحجة أنه اتجاه روحي فحسب ولا علاقة له بالعقل أو فعل الإرادة، هي التي دفعت المتأخرين من مؤرخي حركة التصوف الإسلامي نحو إبراز دور الوعي والإدراك لدى متصوفة الإسلام، وأن كنه التصوف لا يتمثل في مساجلات تنظم شعرًا أو مجرد أقوال مرهونة بمواقف محددة بل هو وعي شديد الحضور وضرب من ضروب النشاط العقلي والذهني، وإن جازت التسمية في بعض الأحايين بأنه ما فوق الإدراك وما وراء المعرفة. وإذا كان مؤرخو التصوف الإسلامي قد أسرفوا في جمع المواضعات الخاصة والمرتبطة بالمفهوم وركزوا غالبًا على التجربة الروحية للمتصوفة معتمدين في ذلك على التعريف الأشهر للتصوف الذي قاله الصوفي الكبير بشر بن الحارث المعروف بالحافي بأن التصوف هو صفاء الأسرار ونقاء الآثار، فإن كثيرين أيضًا أكدوا على أن التجربة الروحية تلك متلازمة على الدوام مع العقل، بل إن بعضهم أجاز اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات.

لذلك وجدنا عند هؤلاء المتصوفة الأقطاب من يصل بالعقل إلى أقصى درجات الفعالية، وبات من الصعب لديهم بخلاف الفلاسفة جواز تقليد الميت من السابقين حيث إن التصوف في حقيقته أيضًا حالة فريدة تجاهد الزمن. وإذا كانت الفلسفة وأصحابها في ادعاء مستدام بأن الفلسفة هي حب الحكمة، فإن التصوف الإسلامي الذي أيقن بالاجتهاد باعتباره قوة من أجل الحكمة ذاتها، فاستحالت المعرفة عندهم خوضًا في الحقيقة لا مجرد حبها فحسب.

الاجتهاد المعرفي عند المتصوفة

وفي سطور سابقة للتأكيد على فكرة الاجتهاد المعرفي عند المتصوفة أشرت إلى أن الجانب العقلي في التصوف لا يقتصر بالبدهي على عالم المحسوسات وهو الملمح الأكثر شيوعًا عند فلاسفة اليونان ورجال المنطق الأرسطي خاصة، لكن عمل العقل لدى الصوفيين هو حراك ديدني لا يتوقف في الأمور الباطنية الروحية التي تصل بهم أو تساعدهم في الوصول إلى يقين للمعرفة، والمعرفة عندهم هو شهود للذوق والوجدان، وفي ظل الحديث عن العقل في التصوف الإسلامي نجد سجالاً واضحًا ومساجلات تزخر بها الكتب التي تناولت عن التصوف والتي تتحدث عن المعرفة وهي تتأرجح بين القلب والعقل، حتى خلصوا جميعًا إلى نتيجة مفادها أن القلب اسم جامع يتضمن العقل وعمله وتدبره وأن القلب لطيفة ربانية غير مادية يدرك بها الإنسان الحقيقة الوجودية، وميز الصوفيون وهم بصدد تناول طرائق القلب والعقل في الوصول إلى المعرفة واليقين حينما سموا إدراك العقل علمًا وإدراك القلب معرفة وذوقًا وأطلقوا على صاحب الطريق الأول عالمًا، بينما أطلقوا على صاحب الطريق الآخر عارفًا.

ولمحمد بن عبد الجبار النفري كلام بليغ دال حينما أفرد للمعرفة موقفًا في كتابه المواقف والمخاطبات، يقول في موقف معرفة المعارف: ” أوقفني في معرفة المعارف وقال لي هي الجهل الحقيقي من كل شيء بي، وقال صفة ذلك في رؤية قلبك وعقلك أن تشهد بسرك كل ملك وملكوت وكل سماء وأرض وبر وبحر وليل ونهار ونبي وملك وعلم ومعرفة وكلمات وأسماء وكل ما في ذلك وكل ما بين ذلك يقول ليس كمثله شيء وترى قوله ليس كمثله شيء هو أقصى علمه ومنهى معرفته “. ويقول أيضًا النفري في موقف معرفة المعارف: ” وقال لي لمعرفة المعارف عينان تجريان عين العلم وعين الحكم، فعين العلم تنبع من الجهل الحقيقي وعين الحكم تنبع من عين ذلك العلم، فمن اغترف العلم من عين العلم اغترف العلم والحكمة، ومن اغترف العلم من جريان العلم لا من عين العلم نقلته ألسنة العلوم وميلته تراجم العبارات فلم يظفر بعلم مستقر ومن لم يظفر بعلم مستقر لم يظفر بحكم “.

ولأن الاجتهاد دومًا أكثر ارتباطًا بالإبداع، فإن الفلاسفة افتقدوا تمامًا تلك المزية على عكس المتصوفة، الذين تمتعوا بالفيض الداخلي أو ما عرف بالإشراق، والإشراق في التوصيف النفسي العلمي مرحلة من مراحل الإبداع، لذا فلا توجد مرجعية إبداعية في التصوف الإسلامي، لأن كل طرح صوفي هو في الحقيقة حالة إبداع، أما في الفلسفة فالمرجعية نقلية بالضرورة تقبل الاقتباس دون التجديد.

وما كان هذا الاجتهاد والتجديد إلا في سبيل الدفاع عن العقيدة الإسلامية والتأكيد على ركائزها الرئيسة، لذا فهم في وجدهم وإشراقهم وفيضهم الروحي اكترثوا كثيرًا أيضًا بخلق إطار معرفي مرجعي وتأسيس تيار عقلي متميز لمواجهة العقائد والتيارات الفكرية الفاسدة.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.