كورونا…. وفارس الأحلام

كورونا…. وفارس الأحلام

islam wattan . نشرت في المدونة 12551 لاتعليقات

تعيش كل فتاة فى فترة من فترات حياتها (ليس بالضرورة فترة المراهقة) على خيالات وتصورات جميلة تصور لها دائمًا أن السعادة (كما تريدها هى) إنما هى بيد فارس عظيم الهيئة يأتى لها (من حيث لا تدرى) على فرس جميل..

الدكتور عبدالرحمن محمد خليفة

تعيش كل فتاة فى فترة من فترات حياتها (ليس بالضرورة فترة المراهقة) على خيالات وتصورات جميلة تصور لها دائمًا أن السعادة (كما تريدها هى) إنما هى بيد فارس عظيم الهيئة يأتى لها (من حيث لا تدرى) على فرس جميل، عادة يكون لونه أبيض (رمز للسعادة) ولكن مع الأسف يتأخر هذا الفارس فى مجيئه حتى تتحطم هذه التصورات والخيالات الجميلة واحدة تلو الأخرى على صخرة الواقع ثم لا يأتى الفارس أبدًا.

والسعادة هى مسألة نسبية تختلف طبيعتها من شخص لآخر، فالسعادة عند البعض بالمال، وعند الآخرين بالجاه والعزوة، وعند غيرهم بالصحة والعافية، والسعادة فى الحقيقة ليست بهذه الصورة البسيطة، فالسعادة كما هى نسبية فهى أيضًا معقدة، فسعادة النفس البشرية أمر ليس بالبسيط.

والعاقل – فضلاً عن المؤمن – يطلب السعادة الباقية ولا أقصد بها سعادة الآخرة فقط ، فالسعادة الباقية تبدأ من الدنيا مرورًا بالحياة البرزخية ثم إلى الآخرة ثم لا تنتهى أبدًا، فالجنة (موطن السعادة) جنتان: جنة عاجلة، وجنة آجلة، فمن لم يتعرف على الجنة وما فيها من مسببات السعادة ليسعد بها فى الدنيا لا يمكن له أن يدخلها فى الآخرة قال تعالى: )وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ( (محمد:6) وللكلام تفصيل لا يسعنا المقام لذكره.

والخلاصة: أن كل سعادة تزول وتنتهى هى فى الحقيقة شقاء، فآلام سلب السعادة بعد نيلها أعظم من الحرمان منها وعلى هذا فلابد أن يختار الإنسان لسعادته الأمور التى ينال منها السعادة هنا ثم لا تزول بل تستمر ويمتد أثرها إلى الحياة الآخرة، والقرآن الكريم أخبرنا أن للدنيا سعادة قال تعالى: )الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا( (الكهف:46) ولكنه أخبرنا أيضًا بأنها لن يدوم أثرها  فى الحياة الآخرة قال تعالى: )مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ( (الحاقة:29) وقال تعالى: )يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ( (عبس:35)

والسعادة الحقيقية التى تبدأ هنا وتستمر هناك هى تلك المستمدة من الدين (الذى هو المنظومة الإلهية التى اختارها الله للإنسان أن يحيا بها ليسعد؛ لأن هذه المنظومة هى وحدها المبنية على علم تام بهذا الكون وما فيه من سعادة وما فيه من منغصات وهلاك.

إننا نعيش اليوم فى مجتمع قلما تجد في يومه الواحد نظام أو حتى خلق من الأخلاق التى حثنا عليها ديننا العظيم، وقد تسمع فى كل يوم من ألسنة الناس سخطًا على هذه الأخلاقيات والنظم التى نعيشها وتكدر حياتها من (نظم تعليمية – نظم صحية – نظم تجارية – انحطاط الثقافة – ضياع للقيم) ومع هذا السخط تسمع دعوات الناس بصلاح الأحوال وانتظام هذه الحياة على النسق الذى أخبرنا عنه الله فى كتابه لنحيا حياة سعيدة فى الدنيا ثم يدوم أثرها فى الحياة الباقية.

ومع هذا الظلام المحيط بمجتمعنا أرى فارس الأحلام الملثم على فرسه يشق ظلام حياتنا ويأتى لنا بأمل جديد فى صلاح هذه الحياة واستقامة هذه المنظومة الحياتية على النسق الذى يحقق لنا السعادة، إنه الفارس الذي جاء مصاحبًا كورونا، الذى أتى (على الرغم من هيئته المخيفة) إلا أن باطنه كله رحمة وخير وسعادة (فقط لمن أرادوا السعادة الحقيقية) فبعث فينا هذا الفارس آمالاً:

(1) إعادة تقييم أولويات حياتنا وإعلاء شأن الطب والأطباء والعلوم بمختلف أنواعها، وإعادة النظر فى مسألة البحث العلمى.

(2) إعادة تقييم منظومة التعليم والتثقيف فى بلدنا الحبيب بعد أن أدركنا قدرتنا على التخلى عن المنظومة الحالية الفاسدة (الدروس الخصوصية التى أساءت إلى أولادنا صحيًّا وأدبيًّا وعلميًّا واستغلت آباءنا ماديًّا).

(3) إعادة وضع الرياضة فى موضعها الصحيح حتى تستهدف سلامة أجسادنا، وإنهاء حالة المقامرة التى هى عليها الآن والتى تبث التعصب والبغضاء بين أبناء المجتمع الواحد.

(4) إعادة تقييم نظرتنا للنظم العامة فى الدولة من الحرص على نظافة الشارع؛ لأنه بيت كل مصرى، ونظافة المواصلات والأماكن العامة؛ لأنه يملكها.

(5) إعادة تقييم علاقتنا بأولادنا وأسرنا التى هجرناها تحت ذريعة البحث عن لقمة العيش.

(6) إعادة تقييم حبنا لبعضنا البعض، حب الإنسان لأخيه الإنسان، فضلاً عن حب الوطن الذى هو من حب الله.

إن تعديل كل تلك الأوضاع كان يحتاج من الوقت والجهد والمال والرجال ما لا نملكه فى مجتمعنا اليوم، ولو كنا لنملكه لوجدنا أن طريقة تحقيقه تحتاج لجهود شاقة مضنية وتضحيات لا قبل لنا بها، فمن الممكن أن نضحى بالغالي والنفيس من أجل إتمام هذه المهمة.

لكن جاءت أقدار الله لتقوم هى وحدها بهذه المهمة (إذا أردنا)، مع العلم أن إرادة الله ومشيئته تعلقت بلطفه قال تعالى: )إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ( (يوسف:100)  فما كنا سنخسره أو سنعانيه إذا ما حاولنا نحن بقدرتنا إتمام هذه المهمة أعظم وأصعب بكثير مما نتحمله الآن أو قد نتحمله مستقبلاً من هذا المرض كورونا وفارس أحلامنا جميعًا، إن ثقتى فى الله لا حدود لها فى أنه سيدفع عنا البلاء، لكن كل ما أخشاه هو أن يرفع البلاء قبل أن تدرك عقولنا هذه الأمور ونبدأ من الآن فى تصحيح تلك الأوضاع، وإلا حينها سنكون قتلنا فارس أحلامنا بأيدينا.

أسأل الله لى ولكم السلامة والشفاء من الأمراض ما ظهر منها وما بطن.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.