معالم في طريق التصوف (1 /2)

معالم في طريق التصوف (1 /2)

islam wattan . نشرت في المدونة 327 لاتعليقات

يظل التصوف الإسلامي أبرز مظاهر التاريخ الإسلامي بعد ظاهرة تحول الخلافة الإسلامية الراشدية إلى ملك عضوض، وهذه الظاهرة التاريخية لا يمكن إنكارها أو بالأحرى تجاهلها لاسيما في ظل ثورة النصوص والسير التي وردت عن هؤلاء الصوفية أو أقطاب التصوف وما تزامن معها من أحداث سياسية مضطرمة. ليس فقط بل إن ثراء النصوص الصوفية نفسها هو ما أكسبها مزيتين مهمتين؛ الأولى الانتشار التاريخي لسير أصحاب هذه النصوص وذيوع أخبارهم، والثانية مزية البقاء وشيوعية التداول لها بحيث صارت متداولة على ألسنة العامة قبل المتخصصين والمريدين والأقطاب أيضًا.

الدكتور بليغ حمدي

مقدمة

يظل التصوف الإسلامي أبرز مظاهر التاريخ الإسلامي بعد ظاهرة تحول الخلافة الإسلامية الراشدية إلى ملك عضوض، وهذه الظاهرة التاريخية لا يمكن إنكارها أو بالأحرى تجاهلها لاسيما في ظل ثورة النصوص والسير التي وردت عن هؤلاء الصوفية أو أقطاب التصوف وما تزامن معها من أحداث سياسية مضطرمة. ليس فقط بل إن ثراء النصوص الصوفية نفسها هو ما أكسبها مزيتين مهمتين؛ الأولى الانتشار التاريخي لسير أصحاب هذه النصوص وذيوع أخبارهم، والثانية مزية البقاء وشيوعية التداول لها بحيث صارت متداولة على ألسنة العامة قبل المتخصصين والمريدين والأقطاب أيضًا.

وما من مؤرخ أو مستشرق يقترب من تاريخ الإسلام إلا ويجد نفسه مضطرًّا لتناول ظاهرة التصوف الإسلامي بوصفها الظاهرة الأكثر انتشارًا وبقاء من ناحية، وبأنها الملمح الإسلامي الذي لم يندثر بخلاف ظاهرتي الخلافة والملك اللتين وجدتا عقب انتقال الرسول J وبقيتا بصورة لا تتناسب مع أعداد الأقطار الإسلامية والعربية.

التَّصَوُّفُ ظَاهِرَةٌ عَالَمِيَّةٌ

وربما تأتي ظاهرة التصوف سابقة على ظاهرة العولمة التي راجت وشاعت في نهايات القرن العشرين بقرون بعيدة بسبب قدرة التصوف الإسلامي على الانفتاح على شتى التيارات الفكرية والروحية والفلسفية والإفادة منها والتأثير فيها، فضلاً عن أن التصوف الإسلامي انفرد عن بقية الظواهر الإنسانية المرتبطة بالدين أنه تمكن من تحقيق فكرة الحوار الديني بامتياز، ولا شك أن التصوف الإسلامي استطاع أن يحقق هذه الفضيلة الاجتماعية بحكم الإسلام وثوابته المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة.

واتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بُعدٌ نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا يشير مؤرخو التصوف أنه انفتح – التصوف الإسلامي  – على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضًا، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق. ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطًا معرفية جديدة وعمقًا وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك. وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات.

ولذلك يؤكد المستشرق المتميز جوزيبي سكاتولين أن التصوف الإسلامي لا يأتي يتيمًا في تاريخ البشر، إنما يأتي في انسجام واسع وتناغم عجيب مع التيارات الروحية الدينية الأخرى. ولعل ما جعل التصوف الإسلامي ظاهرة متفردة أنه جاء مقترنًا بالتساؤل وثقافة الأسئلة، كون السؤال بوابة رئيسة للمعرفة، وأن أسرار الكون لا يمكن سبرها إلا عن طريق سؤال واعٍ يحتاج إلى إجابات متعددة تقبل التأويل.

أسئلة الدهشة

ولعل أسرع طريقة لتحقيق غاية العلم وهي المعرفة طرح الأسئلة المباغتة التي تظل قابعة في الذهن بغير حراك لكن المرء على غوايته القديمة يأبى طوعًا تارة وكرهًا تارة أخرى في الدفع بها إلى الشهود والحضور، لذا فمن الأحرى مباغتتك أنت بأسئلة الدهشة:

– ماذا ستسطر في صفحتك الشخصية بكتاب التاريخ عن واقعك الإنساني الذي عاصرته؟.

– وكيف ستوصِّف ملامح الجيل الزمني الذي تنتمي إليه؟.

– وأخيرًا هل أتاك حديث الحكمة؟.

وبكثرة الأسئلة تستطيع أن تصل إلى يقين المعرفة، فحينما سئل عبد الله بن عباس: بأنَّى أصبت هذا العلم؟ قال: “بلسان سئول وقلب عقول”، وقد لا يعي كثيرون أن هناك ما يسمى بمقام اليقين، وهو مقام العابد الذي يفكر بعقل سديد مستنير خالٍ من هوس فتنة الدنيا، وبطش شواغلها الفانية، وهذا اليقين هو المقام الذي ينتقل بك سريعًا من حال الشك المتولد من طرق الأسئلة إلى برهان المعرفة الذي يتحقق عن طريق الثقة في الله وبالله التي لا يعتريها شك أو ظن سلبي، ثقة مفادها اطمئنان القلب مع الله، وهكذا كان حال الأنبياء والرسل مع الله تبارك وتعالى.

وأكاد أجزم أنه لم تتح فرصة لأية نظرية فلسفية أو طرح ديني روحي للانتشار والتداول والتناول الشعبي بعد انتقال رسول الله J بقدر ما أتيحت لنصوص الصوفية وأخبارهم وأقوالهم وطروحاتهم المتعلقة بالله والإنسان والطبيعة.

توازن الفكرة والوجدان

وجدير بالذكر الإشارة إلى ملمح استثنائي في تجربة التصوف الإسلامي، هذا الملمح هو التوازي الفريد بين الفكرة والوجدان، وقلما نجد حركات دينية تجمع بين الأمرين دون أن يطغى جانب على آخر، إلا أننا نجد التصوف يستطيع أن يقيم علاقة مستقرة بين حالات الوجدان التي غالبًا لا تتسم بالاستقرار وبين الفكرة التي عادة ما تتحول إلى رؤى وأيديولوجية، ولعل هذا التوافق يتحقق جليًّا حينما ينبذ المرء الجدل ولا يقرع أبوابه مكتفيًا فقط بباب العمل والاجتهاد والتدبر، والصوفي العراقي معروف الكرخي أشار إلى هذا بقوله: ” إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عليه باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًّا أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل “. وهذا القول يمثل بلا شك رفض الصوفية لنزعات الكلام واللغو واللغط وفوضى الجدال.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.