معاني وإشارات قرآنية في جنات المعارف وجنات الزخارف (2)

معاني وإشارات قرآنية في جنات المعارف وجنات الزخارف (2)

islam wattan . نشرت في المدونة 13864 لاتعليقات

أما قوله تعالى: )كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ( يعني كلما تفضل الله عليهم من تلك الجنة برزق – وهذا الرزق من ثمارها -؛ تذكروا ما كان يتفضل الله به من الثمار، فحصل لهم الأنس والبهجة برؤية ما كانوا يعهدونه في الدنيا، فلما ذاقوه وشموه ولمسوه ظهر لهم ما أعده الله فيه من الرائحة الطيبة والطعم الشهي، فتحققوا أنه غير ما كان في الدنيا، فازدادوا مسرة وحبورًا وشكرًا لله….

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

بقية: من جمالات الجنة ونعيمها:

أما قوله تعالى: )كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ( يعني كلما تفضل الله عليهم من تلك الجنة برزق – وهذا الرزق من ثمارها -؛ تذكروا ما كان يتفضل الله به من الثمار، فحصل لهم الأنس والبهجة برؤية ما كانوا يعهدونه في الدنيا، فلما ذاقوه وشموه ولمسوه ظهر لهم ما أعده الله فيه من الرائحة الطيبة والطعم الشهي، فتحققوا أنه غير ما كان في الدنيا، فازدادوا مسرة وحبورًا وشكرًا لله.

وليس المراد أن الثمار هي التي قدمت لهم في الدنيا، ولكن الكلام على حذف مضاف؛ يعني هذا النوع الذي رزقنا به من قبل أو شبهه، أو على حذف حرف الجر، أي هذا من الذي رزقنا به من قبل.

ويبين الإمام أبو العزائم في هذا السياق من شرحه للآية الكريمة في تفسيره: “أسرار القرآن” أن لنا أن نؤول هذه الآية: بمعنى أن الذي يقدَّم لأهل الجنة من الثمار يقدَّم لهم مرة ثانية فيظنونه من نوع واحد، وإذا به يختلف في الطعم والشم واللمس، فيعجبون!؛ لأن الشكل واللون لا يختلفان عما قدم لهم أولاً، ويأخذ العجب منهم كل مأخذ!!، فتتجلي لهم عجائب قدرة الله وأسرار تصريفها في الحقائق، ويقول لهم الملَك: إن الشكل واللون واحد ولكنهما يتفاوتان في الطعم والريح من لذة وطيب، ويكون هذا مزيد شهود لهم في معاني قدرة الله وحكمته، وهذا معنى قوله تعالى: )وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ( (ق: 35).

فما من شيء في الجنة إلا وهو يتغير من حسن إلى أحسن، ومن جمال إلى أجمل، وسبحان من أكرم أحبابه بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ولك أن تقول: )هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ( أي: بُشِّرنا به، بمعنى: وُعِدْنا؛ بالبناء للمجهول، أي أن الله تعالى وعدنا بهذا رزقًا لنا، فنحن رزقناه في الدنيا بخبر رسول الله J، وهذا أقرب إلى الفهم وإن لم يقل به أحد من السابقين، كما يقول أهل الجنة: )أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا( (الأعراف: 44).

وقد خلق الله الإنسان مفطورًا على الأنس – وخصوصًا مما لا بد له منه -، ولما كان أشهر ما يأنس به الإنسان وينال به بهجته ومسرته الزوجة الصالحة الجميلة، بشرنا الله تعالى بأن لنا أزواجًا في الجنة بقوله تعالى: )وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَة(، وهنا يلحظ القارئ أن أزواج الجنة مطهرة مما يعتري أزواج الدنيا من الحيض والمرض والبول والغائط مما ينغص الحياة، ولا يُنال الطهر في تلك الدار الدنيا؛ لأنها دار البلاء، وشر البلاء في هذه الدار الدنيا سببه النساء لفقد الأخلاق الجميلة منهن قبل دخولهن الجنة التي بها يكمل جمال الزوج.

والتمتع بالزواج هناك له لذة تنكشف للأرواح حيث يتجلى القادر الذي صاغ تلك الهياكل من الصفاء الكلي، وبدل أرض جسمها وسماء نفسها بأسراره العالية، فسعدت الأرواح، ودام الأنس في جوار الرحمن.

وفي قوله تعالى: )وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( كمال البشرى أن هذه الكلمة تطمئن بها قلوب أهل الجنة، وأي إنسان في أكمل النعيم وأتم الصفاء يخطر على قلبه الموت ويأنس ولو كان ملكًا نافذ الكلمة مطلق التصرف؟، فإن ذكر الموت ينغص كل نعيم، وكفى بالدنيا تعسة أن في آخرها الموت.

جنات المعارف في الدنيا، وجنات الزخارف في الآخرة:

ولابن عجيبة في هذه الآية الكريمة إشارة؛ أن للصديقين البشرى بأن لهم جنات المعارف في الدنيا، وجنات الزخارف في الآخرة، تجري من تحت قلوب أهلها أنوار العلوم والمعارف، فإذا كشف لهم يوم القيامة عن أسرار ذاته، قالوا: هذا الذي عرفناه من قبل في دار الدنيا، إذ الوجود واحد والمعرفة متفاوتة، وأُتُوا بأرزاق المعارف متشابهة؛ لأن مَنْ عَرَفه في الدنيا عرفه في الآخرة، ومَن أنكره هنا أنكره يوم القيامة، إلا في وقت مخصوص على وجه مخصوص، ولهم في جنات المعارف عرائس المعارف والكشوفات، مطهرات من أدناس الحس وعبث الهوى والشهوات، وهم بعد تمكنهم من شهود الذات؛ خالدون في عُشّ الحضرة، فيها يسكنون وإليها يأوون.

وقال القشيري: كما أن أهل الجنة يجدد لهم النعيم في وقت، فالثاني عندهم على ما يظنون كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه غير ما تقدم؛ كذلك أهل الحقائق: أحوالهم في الزيادة أبدًا، فإذا رقى أحدهم عن محله؛ توهم أن الذي سيلقاه في هذا النَّفس مثل ما تقدم، فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم:

ما زِلتُ أنزلُ مِنْ وِدادِكَ مَنزِلاً

تَتحَيرُ الألبابُ عِندَ نُزُولــهِ

تمثل ما في الآية الكريمة:

ويذكر الإمام أبو العزائم أن هنا يناسب أن نتمثل ما في هذه الآية؛ وهو أنه لما سمع المؤمنون قوله تعالى: )وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ( تشوقوا إلى تلك البشرى من الله تعالى وتحققوا أنها كمال النعمة، فقال سبحانه: )أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ( أي: بساتين، وهم في تلك الدار الدنيا في عناء من تحمل الشدائد في سقي البساتين وخصوصًا في زمن تحكم فيه من لا رحمة في قلوبهم, فأزال الله من قلوبنا ما خطر بها بقوله: )تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ(.

ولكن تذكرنا أن تلك الأشجار تثمر ثمرًا من محفوظ النوع والطعم والريح، وذلك يجعل مستعمله ربما يمل منه، فأغاثنا الله وأزال ما خطر بقلوبنا فقال تعالى: )كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا( وإذا به كالذي رزقوا من قبل لونًا وشكلاً لا رائحة وطعمًا، فتمت المسرة والابتهاج، وتمت محبتهم في المتفضل عليهم لمزيد إحسانه، فتتجدد لهم المسرة والحبور في كل نفَس بما لم يكن يخطر على بالهم، ولا سبق لهم أنهم تمتعوا به من قبل، قال تعالى: )وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(؛ اطمأنت قلوب القوم بما أوتوه من هذا النعيم بوعد الله الصادق في الدنيا.

ولكن رغبوا أن يكون لهم في الجنة أنيس يشاكلهم مما كانوا يأنسون به في الدنيا، فعلم الله ما في نفوسهم فقال: )وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ( ولفظ )مُّطَهَّرَةٌ( يشمل الكمال الذي لا يعتوره نقص من حيض ونفاس وبول وغائط ونوم وملل وفتور ومرض ينغص الحياة.

فلما أن بشرنا الله بهذا الذي هو كمال أنسنا تبادر إلى الفكر مصيبة الموت فيها, فأزال الله عنا كرب هذا الخاطر فقال سبحانه: )وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(.

قال J: (أتدري ما تمامُ النِّعْمَة؟، تمام النعمة: دخول الجنة؛ والنجاة من النار) “الطبراني”، فكانت الحياة في الجنة حياة الأنس لا تشوبها وحشة، وفرحًا لا يشوبه حزن، ولذة لا يشوبها ألم، وخيرًا لا يشوبه شر، وبقاء لا يشوبه موت ولا فناء، كما قال تعالى: )ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ( (الحجر: 46)، وقوله تعالى: )وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ( (الحجر:47 – 48).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.