معاني وإشارات قرآنية (14)

معاني وإشارات قرآنية (14)

islam wattan . نشرت في المدونة 171 لاتعليقات

عن الظاهر والباطن في القرآن الكريم

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع) “جمع الجوامع للسيوطي”.

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

معاني وإشارات قرآنية (14)

عن الظاهر والباطن في القرآن الكريم

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع) “جمع الجوامع للسيوطي”.

وقد ذكر الإمام أبو العزائم عقب تفسيره لقول الله تعالى: )الم( (البقرة: 1) أنه ورد في الحديث أن لكل حرف من القرآن ظهرًا وبطنًا وحَدًّا ومطلعًا.

وقد تكلم العلماء في بيان ذلك، فمنهم من قال في معنى الظاهر والباطن:

أن القصص القرآني ظاهرها: الإخبار بهلاك الأوّلين، وباطنها عظة للآخرين.

وقيل: ظهره: التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله.

– ومن المتفق عليه أنه لا يكون الظاهر أبدًا مناقضًا للباطن؛ بمعنى أن يَنهى الله عن الزنى مثلاً فيكون ظاهر النهي التحريم وباطنه الإباحة، أو يأمر بالنفقة والصدقة ويكون باطنه الحض على الإمساك، هذا ما لا يقبله عقل، ولا يصحّ في لغة، ولا يدعيه مَن عنده بقية مِن فَهْمٍ أو ذرّة مِن دينٍ، إنما قد يقول هذا مَن لا خلاق له ولا دين له.

وفي حكمة تربوية يربط الإمام أبو العزائم فيها بين الظاهر والباطن فيقول: (ظَاهِرُ كَلاَمِ اللَّهِ حدُودٌ “ما حده الله بأوامره ونواهيه”، وَبَاطِنُهُ شُهُودٌ، فَمَنْ فَقَدَ الْحُدُودَ حُرِمَ الشُّهُودَ، وَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ الْحُدُودِ فَقَدَ الشُّهُودَ، وَالْعَارِفُ بِٱللَّهِ: آخِذٌ بِالْعَزَائِمِ فِي الْحُدُودِ بِظَاهِرِهِ، فَانٍ عَنْ عِلْمِهِ بِشُهُودِ التَّوْحِيدِ بِالتَّوْحِيدِ).

ومن القرآن ما تفهمه العرب بظاهر لغتها، ومنه ما يعرفه العلماء باجتهادهم وحسن نظرهم، لكن يُحتاج في فهمه إلى تدقيق النّظر والاجتهاد ممّن هو أهلٌ لذلك، قال تعالى: )وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ( (النساء: 83)، ومعنى )الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ(: الذين يخرجون حقائقه؛ لأن الاستنباط هو استخراج الشيء الخفي.

لقد استنبط ابن عباس وعمر من سورة: )إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ( (النصر: 1) أنها علامة اقتراب أجل النبي J؛ فهذا معنى كان باطنًا “أي: خفيًّا” من تفسيرها، استدل عليه عمر وابن عباس 4 بأمور أخرى وبقرائن…

ومِثْل ذلك ما ورد عن ابن عبّاس 5 في معنى قول الله تعالى في أصحاب الكهف: )قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم( (الكهف: 22) أن الله تعالى أمر نبيه J في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه U، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل فقال: )مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ( (الكهف: 22)، والمراد به قوم من أهل الكتاب في قول عطاء، وكان ابن عباس يقول فيما أورده القرطبي وغيره في تفسيرهم: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم…

أما في جملة المعنى فقد قيل في معنى الظاهر أنه: التلاوة، والباطن: الفهم، والحد: حلالها وحرامها؛ أو: أن لكل حكم مقدارًا من الثواب والعقاب، والمطلع: إشراف القلب على المراد بها فقهًا من الله U.

ويَزيد الإمامُ أبو العزائم الأمر بيانًا بقوله: (كُلُّ آيَةٍ مِنَ ٱلْقُرْآنِ لَهَا ظَهْرٌ، وَبَطْنٌ، وَلَهَا حَدٌّ وَمَطْلَعٌ، فَظَاهِرُ الآيَاتِ لأِهْلِ مَقَامٍ، وَبَاطِنُهَا لأَهْلِ شُهُودٍ، وَحَدُّهَا لأَهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تعالى، وَمَطْلَعُهَا لِلْمُصْطَفَيْنَ مِنْ خِيرَةِ الأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ).

وفي إشارة في كتابه: “من جوامع الكلم” يقول: (لِكُلِّ حَقِيقَةٍ ظَاهِرٌ، وَبَاطِنٌ، وَحَدٌّ، وَمَطْلَعٌ، فَٱلإِنسَانُ: ظَاهِرُةُ ٱلْجِسْمُ، وَبَاطِنُهُ ٱلْقَلبُ، وَحَدُّهُ ٱلرُّوحُ، وَمَطْلَعُهُ نَفْخَةُ ٱلْقُدْسِ).

ويقول عن القوى التي بها يتحقق الفهم القرآني: (ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: يُفْهَمُ بِنُورِ الْعَقْلِ، وَبَاطِنُهُ: يُفْهَمُ بِنُورِ الإِيمَانِ، وَحَدُّهُ: يُفْهَمُ بِالنَّفْسِ ٱلْمَلَكِيَّةِ، وَمَطْلَعُهُ: يُفْهَمُ بِنُورِ النَّفْخَةِ الْقُدْسِيَّةِ).

ويكشف عن ارتباط الحقيقة المحمدية بالقرآن الكريم قائلاً: (ٱلْكِتَابُ: ظَاهِرُهُ ٱلْمُصْحَفُ ٱلْكَرِيمُ، وَبَاطِنُهُ: ٱلآيَاتُ فِي ٱلنَّفْسِ وَٱلآفَاقِ )وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ( [الذاريات: 20 – 21]، وَحَدُّهُ: ٱلرُّوحُ وَهِيَ ٱلصُّورَةُ ٱلْبَاقِيَةُ، وَمَطْلَعُهُ: حَضْرَةُ ٱلتَّنزِيلِ وَهِيَ أُمُّ ٱلْكِتَابِ J).

– وذلك لتجلي الحق سبحانه فيه بحقيقة الأسرار وفيض الأنوار، فيكون J مجلى الفوز والنوال لمن اصطفوا بالمواجهة وخصوا بالمؤانسة -.

يقول الإمام نظمًا في إحدى قصائده:

رسولَ اللهِ يا أصلًا تسامـى

ويا زيتَ الزجاجةِ والمثالِ

ويا أمَّ الكتابِ لَدَى التجلِّي

ومجلَى رتبةِ الفوزِ النـوالِ

وهذا المعنى موجود في طيات تعريف الإمام 0 بأم الكتاب بأنها هي: مجمع العلم الإلهيّ بالأشياء مجملة ومفصلة وكائنة، ومعنى قوله تعالى: )وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ( (الرعد: 39) أن لديه سبحانه علم كل شيء، وليس لنبيّ ولا وليّ ولا ملَك الاطلاع على هذا الغيب المكنون إلا بتعليم الله تعالى كما قال سبحانه: )وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ( (البقرة: 282).

لماذا أشار الله سبحانه إلى الكتاب باسم الإشارة الدال على البُعد؟:

وقد أشار القرآن الكريم إلى الكتاب باسم الإشارة الدال على البعد، مع أن الكتاب قريب من الذاكرة في قوله تعالى: )ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ( (البقرة: 2) فما سر ذلك؟.

قيل في معنى )ذَلِكَ الْكِتَابُ( أي: هذا الكتاب، و)ذَلِكَ(؛ قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر؛ وإن كان موضوعًا للإشارة إلى غائب، واختُلِفَ في ذلك الغائب – كما أورد القرطبي في تفسيره – على أقوال عديدة؛ منها:

* )ذَلِكَ الْكِتَابُ( أي: الكتاب الذي كتبتُ على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق )لاَ رَيْبَ فِيهِ( أي: لا مبدل له، قال تعالى عن يوم القيامة: )يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ( (هود: 105)، أي: من الخلق )شَقِيٌّ( ومنهم )وَسَعِيدٌ( كُتب كُلٌّ في الأزل.

* وقيل: )ذَلِكَ الْكِتَابُ( أي: الذي كتبتُ على نفسي في الأزل (أن رحمتي سبقت غضبي).

* وقيل: إن )ذَلِكَ( إشارة إلى اللوح المحفوظ.

* وقيل: )ذَلِكَ( إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد.

* وقيل: ألِفَ العالَمُ كتبًا من قبل حُرفت، ولإزالة هذا الفهم من عند الناس قال الله تعالى: )ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ( لأنني أنا الحافظ له، )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر: 9).

ويبيّن الإمام أبو العزائم أن الحكمة من ورود لفظ: )ذَلِكَ( في قوله تعالى: )ذَلِكَ الْكِتَابُ( أن الله I أشار إلى الكتاب باسم الإشارة الدال على البعد مع أن الكتاب قريب من الذاكرة، فأشار إليه بما يدل على البعد لعلو مكانته؛ أو لعظمة مُنزِله سبحانه، والكتاب هنا هو: القرآن.

من معاني أن القرآن لا ريب فيه:

قيل: في قوله تعالى: )لاَ رَيْبَ فِيهِ( نفْيٌ عام، والمعنى: أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله، غير مخلوق ولا محدَث، وإن وقع ريب للكفار.

وقيل: هو خبر ومعناه النهي، أي: لا ترتابوا، وتم الكلام كأنه قال: ذلك الكتاب حقًّا.

ويدقق الإمام المعنى فيبيِّن أن الريب هو شك مع سوء ظن، ومعنى انتفاء الريب عنه: كمال التحقيق بأنه منزل من عند الله تعالى وأنه صحيح ومُعْجِز، وتلك الحقائق معترف بها من أعدى أعداء القرآن؛ لأن فطاحل الفصحاء من سادات العرب عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله، وعجزهم هذا حجة قاطعة على عجز غيرهم من العالم أجمع بالأوْلَى.

فإذا شك ناقصُ عقلٍ لا يعتبر حكمه على الكتاب بأن فيه ريبًا، كما لو ادعى صناع أوربا بأن علماء الأزهر يجهلون الأحكام الشرعية مثلاً كانت دعواهم باطلة؛ لأنهم ليسوا أهلاً للحكم على هذا.

القرآن الكريم مفيض المعاني:

ولكل اسم من أسماء القرآن دلالة “كما يبيِّن الإمامُ المجدِّدُ كتابه من جوامع الكَلِم”:

فالقرآن: كلام الله وبيانٌ للحجة.

والفرقان: أحكام الشريعة.

والنور: تزكيةُ النفوس وتبيانٌ للوصول.

والتنزيل: الأخلاق.

والكتاب: جامع التاريخ.

والذكر: العبر والتذكرة والأخبار…

وهكذا؛ كل اسم من هذه الأسماء وغيرها عَلَم على آيات دالة على معان خاصة بهذا الاسم يعلمها مَن جعل الله لهم نورًا في قلوبهم.

وفي قول الله تعالى: )فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ( كلمة )فِيهِ( إن كانت خبرًا لـ )لاَ( في )لاَ رَيْبَ( فهي لنفي الريب عن الكتاب، وإن كانت خبرًا مقدمًا لـ )هُدًى( فهي لإثبات الهداية، والقرآن هُدًى للعالمين كما أن رسول الله J رحمة للعالمين، والهدى هو الدلالة والبيان، والقرآن دال مبين.

وإن كانت الدلالة لا تقتضي لذاتها نيل البغية ولا الوصول إلى الغاية المنشودة، لأن الله Y جعل الدلالة حجة لمن سبقت لهم منه سبحانه الحسنى، وجعلها حجة على من سبقت لهم السوءى فصدهم الشيطان عن السبيل.

فالقرآن هُدًى حقيقة للمتقين، وهو حجة على من لم يسعدوا بتوفيق الله إياهم..

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.