معاني وإشارات قرآنية (31)

معاني وإشارات قرآنية (31)

islam wattan . نشرت في المدونة 7096 لاتعليقات

الإمام يبين أن النفس واحدة وقواها ثلاث: قوة تسمي النفس الملكية أو الناطقة وهي أعلي النفوس وأكملها، وقوة تسمي النفس السبعية أو الغضبية وهي أدنـي من النفس الملكية، وقوة تسمي النفس البهيمية أو الشهوانية وهي أدنـي النفوس، والإنسان لا يكون إنسانًا حقيقة كاملاً إلا بالنفس الملكية؛ لأنه بها يشارك الملائكة، وبها يمتاز عن البهائم، فأكمل الناس وأشرفهم من كملت فيه تلك النفس وانصرف إليها، وأما من غلبت عليه إحدى النفسين انحط عن رتبة الإنسانية بقدر غلبتها عليه….

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

بقية: النفاق والمنافقون وخطرهم على الأمة (4/6)

مَن فقد قوة النفس المَلَكية كان شرًّا من الشيطان:

والإمام يبين أن النفس واحدة وقواها ثلاث: قوة تسمي النفس الملكية أو الناطقة وهي أعلي النفوس وأكملها، وقوة تسمي النفس السبعية أو الغضبية وهي أدنـي من النفس الملكية، وقوة تسمي النفس البهيمية أو الشهوانية وهي أدنـي النفوس، والإنسان لا يكون إنسانًا حقيقة كاملاً إلا بالنفس الملكية؛ لأنه بها يشارك الملائكة، وبها يمتاز عن البهائم، فأكمل الناس وأشرفهم من كملت فيه تلك النفس وانصرف إليها، وأما من غلبت عليه إحدى النفسين انحط عن رتبة الإنسانية بقدر غلبتها عليه.

وإذا لم يتفضل الله على الإنسان بأنوار تلك النفس وحصَّل العلم كان شرًّا على المجتمع الإنسانيّ من الشيطان، وأضر من الوحش المفترس، وانحط إلى أسفل سافلين، وبَعُد عن الله تعالى، ولذلك فإن الله سبحانه شنع عليهم، وأنزلهم إلى الحضيض الأسفل بقوله سبحانه: )أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ(.

نفى الله تبارك وتعالى عنهم العلم، ونفي العلم يقتضي فقد النفس القابلة له التي هي محل صورة رسم المعلوم عليها، فإن حقيقة العلم أن تتصور النفس رسوم المعلوم، بمعنى أن يكون العبد كأنه يرى المعلوم رؤية تأثير على النفس والجسم والحس؛ تحفظ الجوارح من تعدي حدود الله، وتحفظ الجسم من الوقوع فيما حرم الله، وتحفظ العقل من التخبط في بيداء الحظ والهوى.

فإذ تحقق ذلك فالواجب على العبد أن يترجم عن علمه بسلوكه، فيتجلى فيه أثر العقيدة الحقة؛ والعبادة الخالصة؛ والمعاملة الحسنة؛ والأخلاق الفاضلة، والله تعالى إذا تفضل على العبد بنفس مَلَكية طاهرة زكية؛ ومنحه تحصيل العلوم النافعة؛ بلغ من الكمال مبلغًا يصير به فوق الملائكة قربًا من الله تعالى.

أما إذا لم تتصور النفس رسوم المعلوم – كما هو حال المنافقين – كان العلم كالمال إذا ملكه مَن لا خلاق له؛ أو كالعافية إذا مُنحت لأهل الفساد؛ أو كمنصب الحكم إذا ناله الظالم الطاغي، والكمال إنما هو بالنفوس؛ لا بالدروس، يقول الإمام في صدر إحدى قصائده:

أتظنُّ أنكَ بالعلـــومِ تُقرَّبُ

وبفهمِ أسـرارٍ بهـا تتحبـبُ

خانتك نفسُك فانتبه مِن غَيِّها

واعْلَمْ يقينًا أن عِلْمَك مَنصِبُ

ومن إشارة لابن عجيبة عند تفسيره لهذه الآية: وإذا قيل لأهل الإنكار على أهل الخصوصية؛ القاصدين مشاهدة عظمة الربوبية؛ قد تجرّدوا عن لباس العز والاشتهار؛ ولبسوا أطمار الذل والافتقار: آمِنُوا بطريق هؤلاء المخصوصين، وادخلوا معهم كي تكونوا من المقربين؛ )قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ( ونترك ما نحن عليه من العز والكبرياء، قال الله تعالى في تسفيه رأيهم وتقبيح شأنهم: )أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ(؛ حيث تعززوا بعز يفنى، وتركوا العز الذي لا يفنى، قال الشاعر:

تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِــزَّةً

فَكَمْ عِزَّةً قَدْ نَالَهَا المَرْءُ بِالــذُّلِّ

إذَا كانَ مَنْ تَهْوَى عَزِيزًا ولم تكُنْ

ذَلِيلاً لَهُ فَاقْرَ السَّلامَ عَلَى الوَصْلِ

فلو علموا ما في طيّ الذل من العز؛ وما في طي الفقر من الغنى؛ لجالدوا عليه بالسيوف، ولكن لا يعلمون.

من صور النفاق:

ورد أن الآية في قول الله تعالى: )وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ( (البقرة: 14) نزلت في عبد الله ابن أُبَيّ – رأس المنافقين – كان إذا لقي سعدًا 0 قال: نِعْم الدين دين محمد، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر قال: شدوا أيديكم على دين آبائكم.

وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة رضوان الله عليهم، فقال عبدُ الله لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبـي بكر 0 فقال: مرحبًا بالصدِّيق سيد بني تَيْم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله r في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله r.

ثم أخذ بيد عمر 0 فقال: مرحبًا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله r.

ثم أخذ بيد الإمام عَلِيٍّ كرّم الله وجهه فقال: مرحبًا بابن عم رسول الله r وخَتَنِه – صِهْره – سيد بني هاشم ما خلا رسول الله r، فقال الإمام عليّ: يا عبد الله؛ اتق الله ولا تنافق، فإن المنافقين شرُّ خليقة الله، فقال عبد الله: مهلاً يا أبا الحسن؛ أنَّى تقول هذا؟؛ والله إن إيماننا كإيمانكم؛ وتصديقنا كتصديقكم، فنزلت الآية.

وقولهم: (آمَنَّا) مرادهم به التصديق بالقلب؛ لأن إيمانهم باللسان متحقَّق عند الصحابة لجهرهم به، ولكنهم يدَّعون الإخلاص في الإيمان، وهم كاذبون؛ لأنهم إذا خلوا إلى مَرَدَتِهم من كبار المنافقين – أي: انفردوا بهم – )قَالُواْ إِنَّا مَعَكُم(، فإذا أنكروا عليهم إظهارهم الإيمان ووجودهم مع الصحابة منعوا عنهم تلك الشبهة بقولهم: )إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(.

والاستهزاء: هو الاستخفاف، فهم يستخِفُّون بالمؤمنين جهلاً منهم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واعتقادًا بأنهم متى سلموا من عقوبة المؤمنين لا يصيبهم شيء بعد ذلك؛ لأن نور الإيمان لم يباشر قلوبهم.

واستخفافُهم: إظهارُ الموافقة مع إخفاء الشر والسوء في القلوب.

خلقك الله ليظهر… لا لتظهر أنت:

وفي سياق شرح الإمام أبي العزائم 0 لهذه الآية بيَّن أن الله تعالى خلق الإنسان وجمَّله بمعاني صفاته؛ ليرى في نفسه وفي الآفاق من بدائع إبداع صنع الله تعالى وعجائب قدرته وغرائب حكمته؛ ما به يفقه أن الله تعالى إنما خلقه ليظهر سبحانه له؛ لا ليظهر الإنسان لنفسه نافعًا ضارًّا مريدًا منازعًا لربه؛ فيكون من الغافلين إذا لم يُرَاعِ أسرارَ التوحيد، أو من الهالكين إن نسي مبدأه ومعاده أو نسي يوم القيامة؛ كما قال سبحانه: )نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ( (الحشر: 19)، وكما قال تعالى: )وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا( (الجاثية: 34).

لتلك الحكمة خلق الله أرواح مَن سبقت لهم منه الحسنى مِن نور جماله، وخلق نفوس المنافقين من سافلين، وخلق نفوس الكافرين من أسفل سافلين.

فمن سبقت لهم الحسنى منحهم الله تعالى القابل الذي يقبل الفيض المقدس، كما قال تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ( (الأنفال: 2) وقال تعالى: )وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ( (المائدة: 83)، وقال سبحانه في الحكم على الكافرين ولفقد القابل: )خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم( (البقرة: 7)، وقال في المنافقين لضعف القابل: )وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا…( (البقرة: 14)؛ لأن الحس تسلط على قواهم فنسوا يوم الحساب.

يقول الإمام 0:

وفيك انْظُرَنْ تشهدْ جمالاً محيِّرًا

بديعًا تراه باليقين مصـــوِّرا

فسبِّحْ حكيمًا قادرًا سَلْهُ حُبـَّـه

ترى محكمَ القرآنِ يُتلَى مبشِّـرًا

إذا كـنتَ محبوبًا لربك نِلْتَ ما

به فاز أهلُ الحبِّ وجهَكَ نَضَّرا

وجوب الأدب لكلام الله تعالى:

في قول الله تعالى: )اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ( (البقرة: 15)؛ نسب سبحانه إلى نفسه الاستهزاء بالمنافقين، والواجب علينا أن نتأدب لكلام الله تعالى، ونعتقد أنه سبحانه ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته؛ ولا في أسمائه؛ ولا في صفاته؛ ولا في أفعاله، فهو كما وصف نفسه بالمعنى الذي يليق به جل جلاله وبصفاته، قال تعالى: )وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ( (الزمر: 67).

وأنوار التوحيد تجعل القلوب تخشع بما يلوح لها بالعلم من أسرار علام الغيوب، فتلزم الخشية والأدب مع كلام الله تعالى، فلا تتأوله بقدر العقول والأهواء، ولا تقيس الغيب المصون بالمحسوس المشهود، ولا تزن كلام الخلاق العظيم القهار المعبود بكلام المخلوق العابد.

ولذلك تأول بعض الأئمة قوله تعالى: )اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ( بمعنى: توبيخه إياهم، ولومه لهم على مسارعتهم إلى معصية الله والكفر به، فتأولوا استهزاء الله تعالى إما بهلاك المنافقين والكفار وتدميرهم؛ وإما بإملائه لهم واستدراجه إياهم ليزدادوا نفاقًا وكفرًا؛ ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

وما ورد في القرآن من الاستهزاء والمكر والخديعة مؤول عندهم بهذا المعنى، وهذا مذهب سلفنا الصالح أهل التسليم، جمَّلَنا الله تعالى بما جمَّلَهم به من الفقه والتسليم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.