معاني وإشارات قرآنية (32)

معاني وإشارات قرآنية (32)

islam wattan . نشرت في المدونة 7512 لاتعليقات

نحن نشكر الله على ما تفضل به علينا من الإيمان والتسليم لرسوله J، ونسأله أن يحفظنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يمنحنا التوفيق والعناية، وأن يتفضل بالهداية ليرجع الكل إلى الحق…..

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

بقية: النفاق والمنافقون وخطرهم على الأمة (5/6)

هؤلاء القوم لم يعلم الله فيهم خيرًا:

وهنا يجب علينا أن نعتقد كمال العقيدة أن الله تعالى يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وأن هؤلاء القوم لم يعلم الله فيهم خيرًا؛ كما قال سبحانه: )وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وهُم مُّعْرِضُونَ( (الأنفال: 23) مبالغة في أن القدر سجل عليهم السوءى.

ونحن نشكر الله على ما تفضل به علينا من الإيمان والتسليم لرسوله J، ونسأله أن يحفظنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يمنحنا التوفيق والعناية، وأن يتفضل بالهداية ليرجع الكل إلى الحق.

الفرق بين (مَدَّ) و (أَمَدَّ):

وفي قوله تعالى: )وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ( (البقرة: 15) فإن: مدّ؛ معناها في اللغة: زيادة الشيء من نوعه، فيقال: مد النهر؛ إذا زاد ماؤه، وأما: أمدّ؛ فمعناها في اللغة: زيادة الشيء من غير نوعه؛ كما قال تعالى: )وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ( (نوح: 12)، وقال تعالى: )يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ( (آل عمران: 125)، وقال سبحانه: )وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ( (الإسراء: 6).

ومعنى يَمُدُّهُم: يزيدهم ذلك طغيانًا وضلالاً باستدراجهم بوفرة الأموال؛ وكثرة العيال؛ ونفوذ الكلمة؛ وكثرة من يعينهم على كفرهم فيزدادون كفرًا، كما هو الحال في منافقي هذا الزمان فإنهم كلما جاهروا بما يغضب الله ورسوله رفع أعداءُ الإسلامِ شأنَهم، وأيدوهم في مراكزهم، فازدادوا طغيانًا، والطغيان هو التعدي على الغير ظلمًا.

والعَمَهُ أخو العمى، إلا أن الأخير يكون في البصر والبصيرة، والعَمَهُ يكون في البصيرة، وهو عمى القلب، والمعنى أنهم في ريب وتردد، كما وصفهم الله تعالى في الآيات السابقة.

المنافق في المجتمع كالقرحة في الجسم:

والمنافق في المجتمع كالقرحة في الجسم؛ إذا لم تُستأصل بالسلاح ويكوى محلها بالنار أو بالعقاقير الحريفة السامة؛ جعلت الجسم كله قرحة – حفظنا الله -، ومنافقٌ واحدٌ في مدينة شرٌّ من السيل الجارف؛ لأن الإنسان إن قتله السيل مات شهيدًا، وإن نجا منه كتب مجاهدًا، وهذا المنافق إن اتصل بمسلم أفسد عليه دينه ودنياه وآخرته.

تحذير من مناظرة أهل النفاق في أيام قوة دولة السلطة الغشومة:

ويُحَذِّر الإمام في هذا السياق من الضرر البليغ الذي يحدث من مناظرة أهل النفاق في أيام قوة دولة السلطة الغشومة، فإنهم كما قال تعالى: )وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ( (المنافقون: 4).

وبهذا يتضح خطر ما يحدث حاليًا من طرح موضوعات دينية وقضايا مختلف فيها بين العلماء؛ تحدث فيها المناظرات في العديد من القنوات ووسائل الإعلام، ويشارك فيها بعض هؤلاء المنافقين – الذين يَتَسَمَّوْن بأسماء إسلامية – وينفثون فيها سُمُومَهم؛ ويطعنون في الدين؛ ويُرَوِّجون للأفكار الهدامة التي تجد قبولاً عند مرضى النفوس؛ وعند الذين لم يتحصنوا بالعلم الدينيّ الصحيح.

تطهير الأرض من المفسدين فيها:

ثم يبيِّن الإمامُ أن الواجبَ علينا الاستخفاف والازدراء بهؤلاء المنافقين واحتقارهم؛ حتى يبوءوا بالخزي والصغار والذلة بين الأمة، أو يقام عليهم الحد الشرعي بعد الاستتابة وعدم قبول التوبة، قال تعالى: )إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (المائدة: 33)، نسأل الله أن يسرع بالقوم الذين يحبهم ويحبونه فيطهرون الأرض من المفسدين فيها.

معنى بيعهم الهدى عدم قبولهم إياه:

المنافقون اشتروا الضلالة بالهدى كما في قوله تعالى: )أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ( (البقرة: 16) فلزم وجود الضلالة والهدى، لكنهم باعوا الهدى واشتروا الضلالة، وبيعهم الهدى: عدم قبولهم إياه.

والإيمان رأس المال، وأعمال الطاعات ربح، فإذا ذهب الرأس فلا ربح.

وقيل: الشراء هنا مستعار، والمعنى: استحبوا الكفر على الإيمان؛ كما قال سبحانه: )فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى( (فصلت: 17)، فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه، فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا، لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعوا إيمانهم.

الأمثال تكشف الحقائق للعلماء الربانيين:

الأمثال تكشف الحقائق للعلماء الربانيين قال تعالى: )وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ( (العنكبوت: 43)، فغير العلماء لا يعقلون عن الله I.

وقد ضرب سبحانه لحالهم العجيبة مثلاً في قوله: )مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ( (البقرة: 17)، فإنهم أظهروا الإيمان وأخفوا الكفر فجمعوا بين الخبيثين: ظلمة الكفر، وخبث النفاق، فكانوا بذلك في الدرك الأسفل من النار؛ لأن الكافر المجاهر بالكفر علمه المؤمنون فحصنوا أنفسهم من كيده، وسلَّموا لأهل النفاق وعاملوهم معاملة أنفسهم فكانوا شرًّا علينا من أهل الكفر بالله.

ولذلك فقد ضرب الله لهم هذا المثل فشبههم في حالهم هذه بحال رجل استوقد نارًا فأضاءت أفقه، واستبان بضوئها كل شيء حوله ووضحت له السبل، ثم طفئت النار، فعمته الظلمة وارتفع عنه كل شيء.

والنار التي أوقدها هي: الإقرار باللسان والعمل بالجوارح.

وإضاءة النار التي كشفت له ما حوله هي: حسن معاملة المؤمنين له.

وذهاب الله بنورهم: إماتتهم وكانوا يعتقدون أنهم نجوا نجاة لا عقوبة بعدها على ما أضمروا من الكفر، فأخبرنا الله عنهم أنهم يوم القيامة يعاملون الله تعالى معاملتهم للمؤمنين، ويظنون نجاتهم بتلك المعاملة لجهلهم بالله تعالى، قال تعالى مشنعًا عليهم: )يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُون( (المجادلة: 18).

وتركهم في الظلمات يوم القيامة: يعنى تركهم في النار لا يبصرون غيرها.

وهذا المثل بيَّن حقيقة ما عليه كثير من منافقي أهل هذا الزمان، الذين يسارعون في أعداء الله طمعًا فيما يفنى وخشية من أن تصيبهم دائرة من عزل من وظيفة أو نفي أو سجن، وكذلك المنافقون الذين أوقدوا نار التستر بالعلم بظاهر الحياة الدنيا، ثم تضيء لهم تلك النار، فيحسبون أنهم على خير وهم الضالون، إذ ليس العلم بظاهر الحياة الدنيا هو العلم النافع عند الله وعند رسوله J وعند العلماء الربانيين؛ لأنه صنعة لراحة الأبدان لا تكتسب منه الأرواح ذرة من الخير، وربما كان سببًا في الكفر أو النفاق أو الجدل أو منازعة الأحكام الشرعية، أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين.

المنافقون صُمٌّ وبُكْمٌ وعُمْيٌ:

الأصم: من انسدت خروق مسامعه، والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فَهِم فهو الأخرس، وقيل: الأخرس والأبكم واحد، والعمى: ذهاب البصر.

والمنافقون )صُمٌّ( عن استماع الحق، )بُكْمٌ( عن التكلم به، )عُمْيٌ( عن الإبصار له، )فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ( (البقرة: 18) أي: إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم.

وليس المراد صم الآذان، بل فقد القابل، ولا بكم الألسنة، بل حرمان التوفيق للنطق الصحيح بالإخلاص، ولا عمى الأعين، بل محو القوى التي تبصر آيات الله في مكوناته.

وفي إشارة لابن عجيبة: مَثَلُ مَنْ كان في ظلمات الحجاب قد أحاطت به الشكوك والارتياب، وهو يطلب مَن يأخذ بيده ويهديه إلى طريق رشده، فلما ظهرت أنوار العارفين، وأحدقت به أسرار المقربين حتى أشرقت من نورهم أقطارُ البلاد وحَيِيَ بهم جلّ العباد؛ أنكرهم وبعد منهم، فتصامم عن سماع وعظهم، وتباكَمَ عن تصديقهم، وعَمِيَ عن شهود خصوصيتهم، فلا رجوع له عن حظوظه وهواه، ولا انزجار له عن العكوف على متابعة دنياه، مثله كمن كان في ظلمات الليل ضالا عن الطريق، فاستوقد نارًا لتظهر له الطريق، فلما اشتعلت وأضاءت ما حوله أذهب الله نُورَها، وبقي جمرُها وحرُّها.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.