معاني وإشارات قرآنية (33)

معاني وإشارات قرآنية (33)

islam wattan . نشرت في المدونة 8132 لاتعليقات

ذكر الشيخ العقاد أن القرآن شبهه الله بالمطر؛ لأنه حياة للأرواح والقلوب، ولكن لا تظهر أسراره إلا لمن تعرض لتلقي هذا المطر والانتفاع به، والظلمات هي ما يكشفه الله من صفات الكفر والنفاق التي تجعلهم أمام أهل النور في ظلمات متكاثفة، والرعد ما في القرآن من وعيد وتهديد وإنذار، والبرق ما في القرآن من حجج ودلائل نورانية…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

بقية: النفاق والمنافقون وخطرهم على الأمة (6/6)

مِن تفصيل المُجْمَل:

يقول الله تعالى: )أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ( (البقرة: 19)، عن ابن عمر 5 أن النبيّ J كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: (اللهمَّ لا تَقْتُلْنَا بغضبك، ولا تُهلِكْنا بعذابك، وعافِنَا قبل ذلك).

أتى سبحانه وتعالى بـ (أو) التفصيلية التي ليست للإباحة ولا للشك لتفيد تفصيل هذا المجمل فقال سبحانه: )أوْ كَصَيِّب( والصيِّب: هو المطر الغزير، والمراد بالصيِّب هنا الإيمان، ولكنه شبهه بسحابة سوداء ذات مطر غزير في ليلة ظلماء مصحوبة بظلمات ورعد وبرق، والرعد والبرق التكاليف الشرعية التي كُلف بها العبد رغم أنفه؛ من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، والصواعق هي الجهاد، فكان كلما أُمِروا بالجهاد أو الزكاة كرهوا سماع هذا الأمر، فجعل مثلهم في ذلك مثل الفزع من الصواعق القتَّالة ولخوفه يضع أطراف أصابعه في أذنيه، ومثال حالهم هذا مفصل لما انتابهم من سابقة السوءى أعاذنا الله تعالى.

وذكر الشيخ العقاد أن القرآن شبهه الله بالمطر؛ لأنه حياة للأرواح والقلوب، ولكن لا تظهر أسراره إلا لمن تعرض لتلقي هذا المطر والانتفاع به، والظلمات هي ما يكشفه الله من صفات الكفر والنفاق التي تجعلهم أمام أهل النور في ظلمات متكاثفة، والرعد ما في القرآن من وعيد وتهديد وإنذار، والبرق ما في القرآن من حجج ودلائل نورانية.

ومن إشارة لابن عجيبة: أهل الخصوصية إذا ظهروا بين العموم بأحوال غريبة وعلوم وَهْبية، وأسرار ربانية وأذكار نورانية؛ دهشوا منهم وتحيّروا في أمرهم، وخافوا على أنفسهم، فإذا سمعوا منهم علومًا لدنية وأسرارًا ربانية فرّوا منها، وجعلوا أصابعهم في آذانهم خوفًا على نفوسهم أن تفارق عوائدها وهواها…

… فالصِّيَّب الذي نزل من السماء كِنَايةٌ عن الواردات والأحوال التي ترد على قلوب العارفين، ويظهر أثرها على جوارحهم، والظلمات التي فيها كناية عن اختفاء بعضها عن أهل الشريعة فينكرونها، والرعد كناية عن اللهج بذكر الله جهرًا في المحافل والحلق، والبرق كناية عن العلوم الغريبة التي ينطقون بها والحجج التي يحتجون بها على الخصوم…

يقول الإمام أبو العزائم 0: كثير من الناس يقولون فلان عالم وفلان بن فلان حصل أمثال الجبال علمًا، وأنا منفردًا أقول: إنما هي النفوس لا الدروس، والنفس الزكية الطاهرة يكفيها قليل الحكمة، والنفس الخبيثة اللقسة كالقرحة لا يصدر منها إلا الصديد، فاحذر أخي أن تجالس أو تجانس أصحاب النفوس التي تنكر كرامات الأولياء، فضلاً عن إنكار القرآن وإنكار الأحكام.

ومن بيان الإمام في معنى قوله سبحانه: )واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ( أن الله تعالى هو القهار شديد البطش الذي إذا أخذ عبدًا لم يفلته، وليست الآية تدل على أن هناك محيطًا ظرفًا ومُحاطًا به مظروفًا؛ تنزه الله وتعالى علوًّا كبيرًا، فكأن المعنى والله أعلم: والله محيط بكل وُجَهِهِم، أي: آخذ عليهم كل مسالكهم فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه.

العارفون بالله فقدوا في أعينهم كل شيء إلا دالاًّ على الله تعالى:

والعارفون بالله – بعد معرفتهم لأنفسهم – فقدوا في أعينهم كل شيء إلا دالاًّ على الله تعالى بما فيه من بدائع إبداع الحكمة، أو خاصة وضعها الله في الكائنات، أو آية تغذو أرواح المحبوبين بما فيها من غرائب القدرة وعجائب الحكمة، أو كتابًا صامتًا وهو القرآن المجيد والسُّنَّة، أو إنسانًا بلغ وراثة رسول الله J ناطقًا بما آتاه الله من فضله، فهذا الذي أثبت عند العارفين وجودها لمعانيها.

وأما ما عدا ذلك من مادة يعبدها أهل الغرة بالله، أو جاه يتفانى فيه أهل الدنياٍ، أو رياسة بها تنفيذ كلمة الظلمة، أو ذخائر إذا فارق صاحبها الحياة كانت سببًا في الحرب بين ورثته وسببًا لِكَبّه في نار جهنم؛ فلا تنفعه في الدنيا؛ لأنه كنزها، ولا في الآخرة؛ لأنه من الفقير المحتاج إليها منعها.

أما أهل المعرفة فإنهم جعلوا الدنيا المعبودة لأهلها، كما قال رسول الله J: (تَعِسَ عبدُ الدينار، وعبدُ الدرهم، وعبدُ الخَمِيصة، إن أُعْطِى رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انْتَقَشَ…) “البخاري”، فإنهم – أمدنا الله بروحانيتهم – عاشوا غرباء، وإن أقبلت عليهم الدنيا قدموها لتكون لهم ذخيرة عند الله، ووضعوا أموالهم وأولادهم وعقارهم في موازينهم يوم القيامة، من غير عاطفة تفسد عليهم حالهم، فإنهم عرفوا أن الدنيا غرارة ضرارة مرارة وهي دار الخاسرين، ومن تذكر ما حصل لخيرة الرسل فيها رضي منها بالقليل، وعمل فيها عمل المسافر العجِل؛ والغريب الذي لا أهل له، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه.

وكما أن الله محيط بقهره وانتقامه وشدة بطشه وتفريده في إيجاد كل شيء بالكافرين؛ فهو كذلك محيط برحمته وحنانه وفضله وإحسانه بالمؤمنين.

البرق هو حجج الإسلام البينة:

في قول الله تعالى: )يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ( (البقرة: 20)؛ البرق هنا: هو حجج الإسلام البيِّنة التي لا يقوى طالب الحق على إدحاضها.

ولكن صاحب الهوى وعميّ البصيرة محكوم عليه بالقطيعة مهما كانت حالته.

بين الأمر والإرادة:

وكلنا نعلم أن الله خلق نارًا وخلق جنة، وأن أهل النار عبيد الله، وأهل الجنة أيضًا عبيده كأهل النار؛ لأن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلاً, وخلق الجنة وخلق لها أهلاً, ولم يقو أحد على أن يغير ما قدره الله عليه أزلاً، وغاية ما في الأمر أن الله أخفى عن العالم جميعًا سر القدر، ثم إنه I أمر أبا بكر بالإيمان وكتب له في الأزل الإيمان، وأمر أبا لهب بالإيمان وكتب له في الأزل الكفر والمعاداة، وكلتا الدارين من نار أو جنة يَئُولان إلى مراد الله.

فما في النار مراد الله، كما أن ما في الجنة مراده، إلا أن الله أخلص الجمال والإحسان لأهل الجنة يوم القيامة، وجعل الجلال والعذاب لأهل النار في هذا اليوم، ولا مرد لقضاء الله.

مثل لحال المنافقين:

وكأن سائلاً سأل: مَثِّلْ لنا حال هؤلاء القوم لنعلم ما كان عليه حال المنافقين؟، فقال سبحانه: )كُلَّمَا أَضَاء لَهُم( نورًا إقرارهم باللسان وحضورهم الصلوات مع الصحابة )مَّشَوْاْ فِيه(، أي: انتفعوا به، )وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ( بذكر بعض السرايا التي كان يرسلها رسول الله J أو طلب زكاة المال المفروضة أو التقرب إلى الله بما يصلح للجهاد )قَامُواْ( (البقرة: 20) أي: احتاروا، ولم يقمهم الله في هذا المقام إلا ليزدادوا تعذيبًا؛ أو ليكشف عنهم ستره عندما يريد الانتقام منهم، فتكون فضيحتهم شنيعة.

إشارة صوفية:

ومن علماء الصوفية من يرى أن في هذا مثلاً لمن ادّعى ما ليس له من أحوال الرجال، كأن تضيء عليه أحوال الإرادة بملازمة آدابها، فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله عنه تلك الأنوار؛ وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها.

وعيد من الله تعالى للمنافقين:

يقول الله تعالى: )وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (البقرة: 20)، ومن المعنى كما يبين الإمام أبو العزائم 0: ولو أن الله سبحانه عجل لهم العقوبة لمحا سمعهم وأبصارهم وكشف عنهم الستر للمؤمنين ليعلموا حق اليقين ما هم عليه بالنسبة للإيمان، وهو سبحانه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من أن يباغتهم بالعقوبة؛ أو يمهلهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، أعاذنا الله من النفاق العلميّ والعمليّ.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.