معاوية في الميزان (1)‏

معاوية في الميزان (1)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4945 لاتعليقات

وكذلك التاريخ بالقياس إلى الإنسانية في جملتها، لا يكون شيئًا إن لم يكن تقديرًا لما هو صادق أو كاذب، أو ما هو صواب أو خطأ، وما هو حميد أو ذميم، من الحوادث والناس.

وقد نذكر الحوادث توسعًا في التعبير، فإن الحوادث لا تعنينا لذاتها إن لم يكن معناها تقويمًا لأعمال وقيامًا بأعمال، أو لم يكن معناها في صيغة أخرى تعريفًا بأقدار الناس مما عملوه واستطاعوه….

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

تقدير وتصدير

التاريخ عرض الإنسانية …

والعرض مناط([i]) الحمد والذم في الإنسان …

وكذلك التاريخ بالقياس إلى الإنسانية في جملتها، لا يكون شيئًا إن لم يكن تقديرًا لما هو صادق أو كاذب، أو ما هو صواب أو خطأ، وما هو حميد أو ذميم، من الحوادث والناس.

وقد نذكر الحوادث توسعًا في التعبير، فإن الحوادث لا تعنينا لذاتها إن لم يكن معناها تقويمًا لأعمال وقيامًا بأعمال، أو لم يكن معناها في صيغة أخرى تعريفًا بأقدار الناس مما عملوه واستطاعوه.

وكل شيء في الحياة الإنسانية هين إذا هان الخلل في موازين الإنسانية، وإنها لأهون من ذلك إذا جاوز الأمر الخلل إلى انعكاس الأحكام، وانقلابها من النقيض إلى النقيض.

يهون كل شيء إذا هانت موازين الإنسانية؛ لأن موازين الإنسانية جماع ما عندها من الفكر والخلق والعقيدة والذوق والخيال.

ومن هوان الموازين الإنسانية أن يختل كل هذا، فلا يوثق بمحصول الإنسانية كافة في تاريخها القديم والحديث.

وأهون من ذلك ألا تختل وكفى … بل تختل وتنعكس، فيوضع فيها الذم موضع الحمد، والكذب موضع الصدق، والخداع موضع الإخلاص والإيمان …

وقد هان عرض إنسان واحد يشتريه المال أو الغرض في حياته، فماذا يقال في عرض الإنسانية الذي يشترى في الحياة وبعد الممات، ويزيف فيه الواقع للعيان، ثم يلازمه الزيف بعد ذلك مدى الأجيال على صفحات التاريخ!

ذلك أفدح مصاب تصاب به الإنسانية: إنه مصاب في عرضها، في صميم أفكارها وأخلاقها وعقائدها وأذواقها وأحلامها — في موازينها وحسب، وما من شيء يعتز به الإنسان لا يدخل في هذه الموازين.

وأوجب واجب على الإنسان لضميره أن يحمي نفسه من شر هذا المصاب الفادح، وألا يتيح لأحد أن يختلس التاريخ في حاضره ومستقبله؛ فليس البلاء هنا بلاء منفعة تفوت أو مضرة تحدث، ولكنه بلاء الزيغ([ii]) في البصر والبصيرة، وعلينا نحن أن نصحح البصر إذا زاغ؛ لأنه نقص وعيب أو لأنه تشويه في سواء الخلقة، وإن لم يعجل منه الضرر، ولم تذهب به المنفعة …

إن تاريخ الإنسانية من أوائلها إلى حواضرها لا يملك للعاملين جزاء غير حسن التقدير، وصدق القياس لما عملوه.

وكثير على أحد أن يبتذل هذا الجزاء؛ لأنه استطاع أن يحشو بعض البطون أو بعضَ الجيوب، فيملك – بهذه الرشوة الرخيصة – خير ما تؤتيه الإنسانية أحدًا من أبنائها في الحياة وبعد الممات.

على أن الموازين الإنسانية لا تزيفها الرشوة المقصودة دون غيرها، ولا يختل بها غرض المنتفعين المتواطئين على تبديل الحقيقة، ذهابًا مع الأجر العاجل والعطاء المعروف.

بل تصاب هذه الموازين من النهازين أو “الوصوليين” المطبوعين، كما تصاب من النهازين المصنوعين أو المصطنعين.

فمن الناس من يحب أن تتغلب المنفعة على الفضيلة أو على الحقيقة، وإن لم يكن هو صاحب المنفعة، ولا حاضرًا لها عند انتفاع المنتفع بها.

من الناس من يحب ذلك؛ لأنه يرجع إلى طبيعته، فيشعر بحقارتها إذا غلبت مقاييس الفضائل المنزهة، والحقائق الصريحة.

ومنهم من يحب الناجحين بالمنافع؛ لأنه يتمنى أن ينجح على مثالهم، ولا ينكر النجاح إذا جاءه بوسيلة كوسيلتهم.

ومنهم من يبلغ بهذه الخصلة حد التعصب والغيرة العمياء؛ لأنه يكره أن يدان الناس، أو تقاس الأعمال بمقاييس المثل العليا فيلوم نفسه، ولا يقدر على التماس المعذرة لها في نقيصتها، أو في طبيعتها التي لا فكاك منها.

إذا استسلم أحدهما مع الهوى لمحاباة ولده أو ذوي قرباه لم يعذلوه أو لم يعنفوه في عذله، بل اتخذوا من ذلك شريعة يؤتم بها، وتجري الوتيرة([iii]) عليها …

وماذا في هذا الصنيع عندهم مما يستغرب؟ كان على الرجل أن ينسى ابنه؛ ليفضل عليه الغرباء عنه؟ أليس هذا الصنيع صنيع كل إنسان في هذا المكان؟ …

يعذرون هنا بل لا يلومون، ولا ينفرون ممن يلومونه إن جاملوا “الظواهر” فلاموه.

أما خصمه المثالي فمعدود عليه أن يحابي نفسه فضلاً عن محاباة ولده، ومعدود عليه أن يهبط من السماوات العلا لحظة واحدة؛ ليشبه سائر الناس في نقيصة من النقائص أو أمل من الآمال.

ولا حاجة إلى إمعان في البحث للكشف عن خبيئة الطبيعة النهازة في هذه التفرقة بين الحكم على النفعيين والحكم على المثاليين.

إن الطبيعة النهازة لا تريد هنا أن تحكم، وأن تنصف بين خصمين.

إنها تريد أن تعذر نفسها لتقول: إن ذلك المثالي ناقص، وإن هذا النفعي يجري على العرف الشائع بين جميع الناس؛ ولهذا يتناول النهاز الميزان وهو يتعمد أن يزيد في ناحية من السيئات ويحط من الحسنات، ويتعمد في الناحية الأخرى أن يقلب الكفة، فيزيد على الحسنات ويحط من السيئات …

ويكفي أن ينسب إلى العظيم المثالي عمل من الأعمال التي لا يقدر عليها النهاز، ولا يسعى إليها ليشعر النهاز بالاختلاف والجفوة([iv]) بينه وبين ذلك العظيم المثالي، ثم يشعر بنوع من القرابة والألفة بينه وبين خصمه، فيميل إلى سماع الأحدوثة الحسنة عن هذا، ولا يميل إلى سماعها عن ذلك، ويضطره إلى ذلك وقوفه بين طريقين: أحدهما غريب يصغره في نظر نفسه، والآخر مألوف يطرقه كل يوم، أو يحب أن يطرقه غير ملوم بينه وبين دخيلته.

([i]) مناط: الموضع الذي تعلق به الأشياء.

([ii]) الزيغ: زاغ البصر: كل، وزاغ الرجل: مال عن الاستقامة.

([iii]) الوتيرة: الطريقة المطردة يدوم عليها الشيء.

([iv]) الجفوة والجفاء: البعد، وترك الصلة، والغلظ في العشرة، والخرق في المعاملة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.