معاوية في الميزان (13)‏

معاوية في الميزان (13)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 10204 لاتعليقات

فكل دهاء يذكر لمعاوية فإنما يذكر إلى جانبه رفد، أو عطاء وولاية يستفيد منها من ينصره، ولا ينخدع عنها في مبادلة النفع بينه وبينه، ولا جرم كان العطاء عماد هذا الدهاء، وكان نقش الخاتم الذي تختم به بعد ولايته: “لكل عمل ثواب”.…

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

بقية الدهاء

فكل دهاء يذكر لمعاوية فإنما يذكر إلى جانبه رفد([i])، أو عطاء وولاية يستفيد منها من ينصره، ولا ينخدع عنها في مبادلة النفع بينه وبينه، ولا جرم كان العطاء عماد هذا الدهاء، وكان نقش الخاتم الذي تختم به بعد ولايته: “لكل عمل ثواب”.

ولهذا أعياه كل الإعياء أمر المخالفين الذين لا تعمل فيهم رقية([ii]) المال والولاية … فامتنع عليه عبد الله بن عمر؛ لأنه لم ينخدع بالدرهم والدينار “وإنما ينخدع الرجال بهما” كما قال، وامتنع عليه قيس بن سعد ذلك البطل القوي الأمين الذي حفظ عهده لعلي ابن أبي طالب قبل عزله إياه وبعد عزله، وظل حافظًا لهذا العهد بعد مقتله رضوان الله عليه، ومصالحة الحسن لمعاوية، وانقضاض الولايات واحدة بعد أخرى عن أعوان بني هاشم، وقد دانت الدنيا للخليفة الجديد فأرسل إلى قيس صحيفة بيضاء موقعة بتوقيعه مختومة بخاتم الخليفة يكتب فيها ما يشاء، فلم يكتب فيها إلا عهدًا بالأمان لأصحابه الذين نصروا عليًٍّا والحسن بقيادته، وجلس الخليفة بالكوفة يتلقى البيعة من مخالفيه القدماء، فقال قيس: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية! فقال له: مه([iii]) رحمك الله، عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، قال قيس: لقد حرصت أن أفرق بين روحك وجسدك قبل ذلك، فأبى الله يا بن أبي سفيان إلا ما أحب، قال معاوية: فلا يرد أمر الله! فأقبل قيس على الناس بوجهه، فقال: معشر الناس! لقد اعتضتم الشر من الخير، واستبدلتم الذل من العز، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق بن الطليق، يسومكم([iv]) الخسف ويسير فيكم بالعسف([v])، فكيف تجهل ذلك أنفسكم، أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون؟! …

فجثا معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده، وقال: أقسمت عليك … ثم صفق على يده ونادى الناس: بايع قيس! فقال: كذبتم والله ما بايعت … وضاع صوته بين الصياح والضجيج.

ولم يزل أمثال عبد الله بن عمر وقيس بن سعد بمعزل عن حزب الدولة الجديدة، إلا من آثر الجهاد في غزو الأعداء ولم يجد علمًا للجهاد غير علم الخليفة القائم بتجنيد الجند، وتجريد السرايا على أطراف الدولة من بلاد القياصرة والأكاسرة، وبطلت كل حيلة من حيل “الثواب” بالمال والولاية مع أمثال هؤلاء القوم الذين كانوا بحق عند المسلمين “بقية الناس”.

إلا أن معاوية كان يصطنع الحيلة التي تجديه في كفاح خصومه، وإن لم تكن من قبيل الغلبة بقوة العقل وصولة »الشخصية« الطاغية على من دونها في البأس والمضاء …

كانت له حيلته التي كررها وأتقنها، وبرع فيها واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين، وكان قوام تلك الحيلة العمل الدائم على التفرقة، والتخذيل بين خصومه بإلقاء الشبهات بينهم، وإثارة الإحن فيهم، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه.

كان لا يطيق أن يرى رجلين ذوي خطر على وفاق، وكان التنافس “الفطري” بين ذوي الأخطار مما يعينه على الإيقاع بينهم، كما كان يحدث بين المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص بغير تدبير منه، أو بتدبير هين لا تخفى خبيئته على الرجلين، فكان يسمع لكل منهما في الآخر، ويطيع كليهما في دسِّه وإغرائه؛ ليعلما بعد ذلك بما صنعه كل منهما من الكيد لصاحبه، فلا يتفقا عليه، وما هما بمتفقين، ولا مأرب لهما في الاتفاق، بل المأرب الذي يحرصان عليه معًا أن يقوم بينهما حجاز يعطيهما ما يسألان، ويكيد بكيدهما كما يحبان.

ودأبه في الوقيعة بين أهل بيته كدأبه في الوقيعة بين النظراء من أعوانه؛ فلم يكن يطيق أن يتفق بنو أمية من غير بيت أبي سفيان، ولم يكن ليهدأ ويستريح أو يوقع بين آل عمومته من بني العاص … قال ابن الأثير في أخبار سنة أربع وخمسين: “وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة، واستعمل مروان، وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان، ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافية، ويقبض منه فدك – وكان وهبها له – فراجعه سعيد بن العاص في ذلك، فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد، ووضع الكتابين عنده، فعزله معاوية وولى مروان، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت … فقال: ما كنت لأفعل، قال: بلى والله !… قال: كلا … وقال لغلامه: ائتني بكتاب معاوية، فجاءه بالكتابين، فلما رآهما مروان قال: كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني؟ … قال سعيد: ما كنت لآمن عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرِّض بيننا، فقال مروان: أنت والله خير مني، وعاد ولم يهدم دار سعيد، وكتب سعيد إلى معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا أن يضغن بعضنا على بعض … فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم وباجتماع كلمتنا؛ لكان حقًّا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك … فكتب إليه معاوية يعتذر ويتنصل([vi])، وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده، وقدم سعيد على معاوية فأثنى عليه خيرًا، فقال له معاوية: ما باعد بينه وبينك؟ قال: خافني على شرفه وخفته على شرفه، قال: فماذا له عندك؟ قال: أسره([vii]) شاهدًا وغائبًا”.

============================

([i]) رفد: بكسر الراء: العطاء والصلة.

([ii]) رقية: تعويذة.

([iii]) مه: اسم فعل أمر بمعنى اكفف.

([iv]) يسومكم الخسف: يكلفكم المشقة والذل.

([v]) بالعسف: الجور والظلم.

([vi]) يتنصل: تنصل إلى فلان من الذنب: خرج وتبرأ.

([vii]) أسره: الأسر القوة وضخامة الخَلْق.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.