معاوية في الميزان (12)‏

معاوية في الميزان (12)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 10064 لاتعليقات

كان زياد بن أبيه آخر المبايعين من الدهاة الثلاثة، فلم يستطع معاوية أن يقنعه بترك فرصة من الفرص التي كان يترقبها، ويؤثرها على مبايعة معاوية بالخلافة، ولم يقبل على معاوية وله رجاء قط في الإعراض عنه، مع أنه كان أول المنظور إلى بيعتهم في تقدير بني أمية؛ لأنه كان – كما نقول في عرف هذه الأيام – ولدًا شرعيًٍّا لأبي سفيان، وأخًا لمعاوية من أبيه …

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

بقية الدهاء

كان زياد بن أبيه آخر المبايعين من الدهاة الثلاثة، فلم يستطع معاوية أن يقنعه بترك فرصة من الفرص التي كان يترقبها، ويؤثرها على مبايعة معاوية بالخلافة، ولم يقبل على معاوية وله رجاء قط في الإعراض عنه، مع أنه كان أول المنظور إلى بيعتهم في تقدير بني أمية؛ لأنه كان – كما نقول في عرف هذه الأيام – ولدًا شرعيًٍّا لأبي سفيان، وأخًا لمعاوية من أبيه … ولاَّه علي بن أبي طالب فارس وكرمان، فأرسل إليه معاوية يتوعده، فقام زياد في الناس خطيبًا يغلظ الجواب ويرد الوعيد بمثله، وجعل يقول في خطبته على رءوس أتباعه ومسمع من أعوان معاوية: “العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله في المهاجرين والأنصار، أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر([1]) مخشيًٍّا ضرابًا بالسيف”.

فكتب إليه معاوية يترضاه ويلين القول، ودعاه بزياد بن أبي سفيان، ثم قال: «كأنك لست أخي، وليس صخر بن حرب أباك وأبي، وشتان ما بيني وبينك، أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني، ولكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء، فكنت كتاركة بيضها بالعراء وملحفة بيض أخرى جناحها، وقد رأيت ألا أؤاخذك بسوء سعيك وأن أصل رحمك وأبتغي الثواب من أمرك، فاعلم – أبا المغيرة – أنك لو خضت البحر في طاعة القوم، فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدًا، فإن بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة([2]) إلى الثور الصريع وقد أوثق للذبح، فارجع – رحمك الله – إلى أصلك واتصل بقومك، ولا تكن كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب، ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج([3])، فإن أحببت جانبي ووثقت بي فإمرة بإمرة، وإن كرهت جانبي ولم تثق بقولي ففعل جميل ولا علي ولا لي، والسلام».

على أن زيادًا لم يستجب لدعوته حتى قتل الإمام وصالح ابنه الحسن معاوية على شروط تسلمه زمام الأمر كله في حياته، ولبث معاوية قلقًا من جانبه لا يأمن مكره وجرأته، يقول لخاصته: ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل البيت، فإذا هو قد أعاد علي الحرب جذعة([4])؟… فتقدم المغيرة يتوسط بينهما ليشد ساعده بزياد في كيده لابن العاص، واستأذن معاوية في إتيانه فأذن له أن يلقاه ويتلطف في خطابه، وجاءه المغيرة على يأس من خلافة بني هاشم، وأمل مبسوط من المواعيد وتصحيح النسب في خلافة بني أمية، واستجاب زياد للمغيرة في أمر البيعة لمعاوية، وتمنع بعد ذلك في أمر البيعة ليزيد بولاية العهد، وأنفذ رجلاً من ثقاته إلى الخليفة؛ ليوصيه بالأناة “فإن دركًا([5]) في تأخير خير من أناة في عجلة»، ولولا أنه مات قبل البيعة بولاية العهد لما استقر الأمر على قرار.

هؤلاء هم الدهاة الثلاثة، لم يغلب أحد منهم على رأيه بدهاء من معاوية، وإنما أفادوا منه جميعًا فوق ما أفادوه.

وتذكر في هذا المعرض بيعة الحسن، فلا يقول قائل من المطنبين في دهاء معاوية أو من المقتصدين في أمره إنه كان عملاً من أعمال الدهاء دخلت فيه الحيلة على الحسن وصحابته، فإنما بايع الحسن بعد أن ثار به جنده، واجترأوا على نهب معسكره، حتى امتدت أيديهم إلى البساط الذي يجلس عليه وجرحوه في فخذه … وقيل في أسباب تلك الفتنة ما قيل من مختلف الأسباب والإشاعات، فزعم بعضهم أنها نشبت في المعسكر بعد أن شاع فيه مقتل القائد الأكبر قيس بن سعد، وزعم بعضهم أنها نشبت فيه بعد إشاعة التسليم، وقبول المصالحة بين الحسن ومعاوية … ولا أمان على كل حال لأنصار يجترئون على إمامهم بالنهب والسطو لسبب من الأسباب كائنًا ما كان، بعد ما تقدم من عنت هؤلاء للإمام في حياته وشقاقهم فيما بينهم، واستبداد كل منهم بفتواه في أمر الدين، وأمر السياسة والولاية، فلو لم يكن معاوية على حظ من الدهاء – قل أو كثر – لما استعصى عليه أن يظفر من الحسن بالمصالحة على شروطه فضلاً عن المصالحة على الشروط التي أمليت عليه.

وما يذكر أحد غير هؤلاء من النابهين المعدودين الذين قصدوا إلى معاوية بالبيعة، أو المؤازرة إلا كان على علم بما يقصده قبل لقاء معاوية، فلا خداع في شأن واحد من هؤلاء المعدودين ولا انخداع.

جاءه عبيد الله بن عمر ففرح به فرحًا شديدًا، وقال لعمرو بن العاص: ما يمنع عبد الله أن يجيئنا كما جاءنا أخوه؟ قال عمرو: إنما جاءك عبيد الله؛ لأنه يخشى قصاص ابن أبي طالب منه لقتله الهرمزان بغير قضاء، وكان عبيد الله قد قتل الهرمزان؛ لأنه شوهد مع أبي لؤلؤة قبل مقتل أبيه، وشوهد معه الخنجر الذي حمله أبو لؤلؤة، ووُجِد بعد مقتل الفاروق، فأشار الإمام بالقصاص منه، وأبى عثمان ذلك؛ لكيلا يقال: قتل عمر بالأمس، ويقتل ابنه اليوم، فلما بويع الإمام بالخلافة في الحجاز خرج عبيد الله إلى معاوية ونادى مع المنادين بثأر عثمان، وقال للإمام في بعض المواقف بين الجيشين: الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان، وجعلني أطلبك بدم عثمان …

وذهب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه يطلب منه مالاً لسداد ديون عليه، فأنظره موعد العطاء له ولسائر أصحاب الأعطية، فتركه وذهب إلى معاوية، فقضى له جميع ديونه، وقال له بعد أيام: أنا خير لك من أخيك… قال عقيل: صدقت! إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي، وأخي خير لنفسك منك!.

=======================

([1]) أحمر: أحمر هنا بمعنى شاق ومتعب.

([2]) الشفرة: بالفتح: السكين العظيم.

([3]) اللجاج: التمادي في الأمر ورفض الامتناع عنه.

([4]) جذعة: بفتحتين، وأعاد الحرب جذعة: أي جديدة كما بدأت.

([5]) دركا: الإدراك واللحاق.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.