معاوية في الميزان (2)‏

معاوية في الميزان (2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 5440 لاتعليقات

نعم، يكفي أن ينسب إلى العظيم المثالي عمل من الأعمال التي لا يقدر عليها النهَّاز ولا يسعى إليها؛ لتنفرج الهوة بينهما فلا يستريح النهَّاز إلى العظيم المثالي كما يستريح إلى النفعيين الناجحين.

وليس أبغض إلى الإنسان من احتقاره لنفسه.

وليس أحب إليه من اعتذاره لها عن حقارتها…

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

بقية: تقدير وتصدير

نعم، يكفي أن ينسب إلى العظيم المثالي عمل من الأعمال التي لا يقدر عليها النهَّاز ولا يسعى إليها؛ لتنفرج الهوة بينهما فلا يستريح النهَّاز إلى العظيم المثالي كما يستريح إلى النفعيين الناجحين.

وليس أبغض إلى الإنسان من احتقاره لنفسه.

وليس أحب إليه من اعتذاره لها عن حقارتها.

وإنك لو بحثت جهدك عن عصبية عمياء تغطي على بصر الإنسان وتملك عليه هواه، لم تجد لها علة أقوى من هذه العلة التي ينقاد لها ولا يبتغي الشفاء منها.

إنه يتعصب في كل شعور يدفع به النقص، ويمهد به العذر، وينفي عنه الإضرار إلى الإقرار بسبق السابقين له، وارتفاع المرتفعين عليه.

وإنه ليعترف بالجهل إذا استطاع أن يدعي لنفسه تعلة يسمو بها على أهل المعرفة …

وإنه ليعترف بالعجز إذا استطاع أن ينزل بالقادرين إلى “مستواه” بخديعة من خدائع النفوس.

وإنه ليعترف بالرذيلة إذا استطاع أن يلوث الفضيلة التي يمتاز بها عليه ذوو الفضائل البينة.

وإنه ليتشبث بهذه التعلات كما يتشبث الغريق بأوهام النجاة؛ لأنه بغير هذه التعلات غريق في شعور ثقيل على جميع النفوس، وهو الشعور بالهوان …

لهذا يتعصب النهَّازون المطبوعون على أصحاب المثل العليا؛ لأنهم بين اثنتين: إما أن يدينوا أنفسهم بالمثل العليا، ويعملوا في السر والعلانية عمل أصحابها، وذلك مطلب عسير يصطدمون بعقباته كل يوم وكل ساعة …

وإما أن ينكروا تلك المثل العليا على أصحابها، ويتعصبوا لمن ينجح بأساليبهم أو يتمنوا النجاح بأساليبه، وذلك مطلب لا يكلفهم تغيير الطباع، وإن لم يبلغوه بفعالهم كما بلغه ذوو القدرة أمامهم من الناجحين الفعالين …

وقد عرفنا من هؤلاء أناسًا في التاريخ ما عرفناهم في الحياة الحاضرة.

عرفناهم فعرفنا عجبًا من العصبية العمياء التي تكيل بالكيلين، وتزن بالميزانين في الحادث الواحد والحقبة الواحدة.

إذا وقفوا بين خصمين أحدهما من النفعيين، والآخر من المثاليين — رأيت العجب في المقياس الذي يلتمسون به المعاذير لهذا، وينكرونها على الآخر في اللحظة الواحدة …

تقول: “عمل من الأعمال لا يقدر عليه ولا يسعى إليه”؛ لأن هناك أناسًا لا يقدرون على العمل المثالي، ولكنهم يسعون إليه، أو يتمنونه أو يحبون أن يؤمنوا بسعيهم إليه وتمنيه، وصبرهم على مشقة هذا السعي وهذه الأمنية … وليس هؤلاء بالنفعيين المطبوعين.

هؤلاء مثاليون تعوزهم القدرة، ولا يعوزهم الأمل في بلوغها ولا الغبطة بوجودها، وميولهم إلى جانب العظماء المثاليين أقرب وأغلب من ميولهم إلى جانب المنفعة الناجحة بالحيلة أو بكل وسيلة، والأمثلة من هؤلاء وهؤلاء كثيرة بين سواد الناس الذين لا يدخلون إلى ساحة التاريخ إلا شهودًا أو مستمعين.

فلو كان محنة التاريخ كله من النهاز المأجور لما خفيت حقائقه هذا الخفاء، ولا طال العهد على الزيف، أو الغرض المموه بالأباطيل.

وإنما المحنة الشائعة من أولئك النهازين المتطوعين الذين يقبلون العملة الزائفة ويرفضون ما عداها، ويجاهدون من يكشف هذا الزيف ويقومه بقيمته الصحيحة، ثم تكثر العملة الزائفة في الأيدي حتى ليوشك أن تطرد العملة الصحيحة، وتحيطها بالريبة والحذر، ولا ينفع المحك الناقد في هذه الحالة؛ لأن المحك الناقد لم يسلم قبلها من التزييف …

وفي التاريخ الإسلامي مراحل كثيرة تصحح لنا موازين التاريخ التي يرتبط بها عرض الإنسانية، وربما كانت هذه المراحل أجدى على المؤرخ من غيرها في تواريخ الأمم؛ لأنها حاضرة الأخبار والروايات، حاضرة الأسباب والبواعث، ولا يخفى من شأنها غير النيات والمزاعم، وليس بالمؤرخ من تضلله النيات والمزاعم حين تشخص أمامه الأخبار والروايات، ولا تتوارى خلفها الأسباب والبواعث بحجاب كثيف …

وأسبق هذه المراحل وأضخمها مرحلة النزاع بين عليٍّ ومعاوية بعد مقتل عثمان … فقد اختلفت فيها الأحكام على الرجال والمناقب والأعمال، ولم تنقطع عنا أخبارهم وحوادثهم التي اتفقت عليها جميع الأقوال.

وإذا لم يرجح من أخبار هذه الفترة إلا الخبر الراجح عن لعن “عليٍّ” على المنابر بأمر معاوية لكان فيه الكفاية؛ لإثبات ما عداه مما يتم به الترجيح بين كفتي الميزان.

فإن الذي يعلن لعن خصمه على منابر المساجد لا يكف عن كسب الحمد لنفسه في كل مكان وبكل لسان، ولو لم يرد من أخبار تلك الفترة أن معاوية كان يغدق الأموال على الأعوان، ومن يرجى منهم العون لكان لعن خصمه على المنابر كافيًا للإبانة عما صنعه لكسب الثناء عليه، وإسكات القادحين فيه، ولكن أخبار الأموال المبذولة لتغيير الحقائق في هذه الفترة تفيض بها كتب المادحين والقادحين، ومن لا يمدحون ولا يقدحون، ولم يعلم أحد مبلغها من الوفرة والجسامة، ولكنها معلومة بالتقدير، وإن لم تعلم بالإحصاء وأرقام الحساب؛ لأنها استنفدت خزانة الدولة، وجرت إلى مضاعفة المكوس([i]) والضرائب، ومخالفة العهود لأهل الذمة وحسبان الزكاة من حصة الخزانة التي يستولي عليها ولاة الأمور.

ويبقى عمل النهَّازين المطبوعين بعد عمل النهَّازين المأجورين، فإنهم قد تطوعوا في ذلك العصر، وفي العصور التالية؛ لترجيح كفة النجاح المنتفع على كفة المثالية العالية، ولم َ يخف الأمر على أبناء ذلك العصر كما نشرحه الآن بأساليب علم النفس في الزمن الأخير، فإن الأقدمين لم تفتهم “النفس” بجوهرها، وإن فاتتهم مصطلحات النفسانيين من أبناء القرن العشرين، وقد نفذوا إلى بواطنهم بالنظرة الثاقبة؛ لأنهم أصحاب نفوس تعلم ما تنطوي عليه النفوس.

([i]) المكوس: جمع مكس، وهو دراهم تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.