معاوية في الميزان (9)‏

معاوية في الميزان (9)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 8784 لاتعليقات

إذا تحدث الراوية العربي عن صفة من الصفات العامة بلغ بها حد الاستقصاء، فأثبت في روايته كل ما يقع عليه الحس من أخبار تلك الصفة، وذكر لنا الأعلام المشهورين بها، والحوادث التي دلت عليها، والأقوال التي قالوها أو قيلت عنهم بصددها، والفوارق التي يختلفون بها فيما بينهم…

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

الدهاء

إذا تحدث الراوية العربي عن صفة من الصفات العامة بلغ بها حد الاستقصاء، فأثبت في روايته كل ما يقع عليه الحس من أخبار تلك الصفة، وذكر لنا الأعلام المشهورين بها، والحوادث التي دلت عليها، والأقوال التي قالوها أو قيلت عنهم بصددها، والفوارق التي يختلفون بها فيما بينهم، والألقاب التي أطلقت عليهم من جرائها، ولم يتركوا مرجعًا من مراجع الدراسة التي يحتاج إليها الباحث العصري في استقصائه الحديث بعد استقصائهم القديم، إلا تحليل الصفات على حسب عواملها النفسية، فإنه باب لم يطرقوه ولم يطرقه أحد غيرهم من الأقدمين في الأمم، وعذرهم في ذلك واضح لا تلزمهم بعده حجة: عذرهم أن التحليل النفسي كله دراسة حديثة تركبت على دراسات علمية، أو فكرية أخرى لم يكن للأقدمين عهد بها إلى ما قبل بضعة قرون.

الدهاء والشجاعة

كذلك تحدث لنا الراوية العربي عن شجعان العرب، وفرسان العرب، وأجواد العرب، وصعاليك العرب، ودهاة العرب في الإسلام، ودهاة العرب في الجاهلية، وكل ذوي الشهرة في صفة من الصفات العامة التي تتعلق بها الروايات، وتتناقل بها الأخبار.

ويبدو لنا – ونحن نقرأ كلامهم عن دهاة العرب – أنهم كانوا “مولعين” بتلك الصفة خاصة، يتحدثون بها ويستطيبون حديثها ويتزيدون فيه كلما استطاعوا، كأنهم يجاوزون بالدهاء حد الإعجاب إلى حد التمني والعطف والمشاركة في الشعور، وعذرهم في هذا أيضًا واضح من تاريخهم وتواريخ منازعاتهم ومصالحاتهم، فإنهم كانوا يتفقدون فيها الدهاء جميعًا فيجدونه حينًا ولا يجدونه حينًا آخر، ولكنهم كانوا يجدون الشجاعة والفروسية في كل حين.

وسبب آخر من أسباب الولع بالحديث عن الدهاء أنه أصبح كفؤًا للشجاعة، أو راجحًا عليها في موازين الصفات الاجتماعية، فإذا عيب رجل من رجالهم بقلة الشجاعة؛ وجد العزاء – وفوق العزاء – بشهرة الدهاء أو دعواه إن لم يكن قد بلغ بدهائه مبلغ الشهرة الذائعة الصيت.

فالدهاء عندهم كان مزية، وضرورة، وعزاء، وغطاء للخوف والجبن، ودعوى سهلة لمن يدعيها بغير برهان … أما الشجاعة فبرهانها حاضر لا سبيل للمغالطة فيه …

ولهذا يتزيد الرواة كثيرًا في أحاديث الدهاء، ويوشك أن يجعلوه صفة من الصفات “السلبية”، التي تقترن بنقص الشجاعة حيث نقصت في مجال الغضب، أو مجال الصولة والقتال، وكاد القارئ يفهم – بداهة – من وصف رجل بالدهاء أنه رجل لا صولة له ولا خوف من غضبه وبأسه، وإنما الخوف مما يحتال به أو يكيد.

الدهاء العقلي

وكثير من أحاديثهم عن الدهاء يدخل في عداد هذه المعاذير أو هذه الخلال المتشابهات، ولكنهم إذا اتفقوا على دهاء رجل في سيرة حياته بحذافيرها([1])، فالغالب أن يكون على شيء من الدهاء، وإن لم يكن دهاتهم كلهم من نوع واحد عند تحليل الأعمال والصفات، ولم يكن مصدر ذلك الدهاء ملكة واحدة في العقل أو في الطباع.

لقد كانوا يطلقون الدهاء على وسيلة “غير صريحة” يبلغ بها صاحبها مأربه، وينتهي بها إلى منفعته … فكل حيلة “غير صريحة” فهي دهاء على سواء …

إلا أن الواقع أن الوسائل “غير الصريحة” لا تتفق في مصادرها العقلية …

فقد يعتمد الرجل في دهائه على قدرة عقلية فائقة يتسلط بها على الناس، فيسخرهم في مطاعمه ويقودهم كما يقاد المسخر “بالتنويم المغناطيسي” لخدمته فيما يستفيدون منه أو فيما لا فائدة لهم فيه على الإطلاق … وقد يكون فيه الضرر لهم كل الضرر وهم لا يفقهون، ويغشاهم السحر بغشاوته فلا يستمعون لما يقال لهم غير ما يقوله ذلك الداهية، أو يوحيه إلى شعورهم بغير مقال.

هذا هو الدهاء من الطراز الأول.

الدهاء المادي

ويليه الدهاء الذي لا يعتمد على قدرة عقلية فائقة، ولكنه يعتمد على قدرة “مادية” يستطيع بها صاحبها قضاء المصالح والتعامل مع غيره على أساس “التبادل” في المنفعة المعروفة، التي يفهمها المتبادلون جميعًا بغير حاجة إلى تغرير أو خداع أو إقناع.

رجل يملك السلطان أو المال، وأناس يحتاجون إلى سلطانه وماله، ولا يقدرون على بلوغ تلك الحاجة من غيره … فلا هو يخدعهم ولا هم يخدعونه؛ لأنهم كلهم يعرفون ما يطلبونه ويعرفون وسيلتهم إليه، فلا خادع فيهم ولا مخدوع، وإن لم يكونوا جميعًا صرحاء فيما يتوسلون به أو يتوسلون إليه.

من أي هذين الطرازين دهاء معاوية؟

أمن طراز القدرة العقلية الفائقة التي تسخر الأعوان منقادين مستسلمين مغمضي الأبصار والبصائر، أم من طراز القدرة المادية التي تعطي وتأخذ ويأملها طلاب الحاجات؛ لأنهم يعرفون ما يحتاجون إليه ولا يعرفون طريقًا إلى حاجاتهم تلك غير هذه الطريق؟

بأي الدهاءين تمكن معاوية من اجتذاب عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه، وغيرهم من الدهاة الذين سارت بدهائهم الأمثلة في صدر الإسلام؟.

لعلنا نستطيع أن نقول: إن هؤلاء الدهاة ومن جرى مجراهم قد خدعوه وسخروه لقضاء مأربهم، كما نستطيع أن نقول: إنه هو قد خدعهم وسخرهم لقضاء مآربه …

فإنهم جميعًا قد أخذوا ناجزًا مضمونًًا حيث يأخذ منهم العوض مقدرا غير مضمون، وأيًّا ما كان القول فليس دهاء معاوية هنا دهاء القدرة العقلية الفائقة التي أوقعت في روع أعوانه زعمًا تخفى عليهم حقيقته، وينقادون به إليه وهم لا يفقهون، وإنما أخذ منهم وأخذوا منه على حد سواء، وإنما أعطاهم المصلحة التي يريدونها ولا ينتظرون قضاءها عند غيره، ولم يتمكن من إعطائهم تلك المصلحة؛ إلا لأنه سبقهم إلى ولاية الشام عشرين سنة، ووضع أيديه على المرافق التي لم يكن في وسع واحد منهم أن يضع عليها يدًا من أيديه.

([1]) بحذافيرها: جمع حذفور وهو الجانب، وأخذه بحذافيره أي: بأسره.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.