معاوية في الميزان (7)‏

معاوية في الميزان (7)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 7962 لاتعليقات

وانقضى عهد الصديق ثم انقضى عهد الفاروق “والمجتمع الإسلامي مجتمعان: أحدهما ماض ولما يمض بأجمعه، والآخر مقبل ولما يقبل بأجمعه، وأوشك عمر على قوته أن يحار في تدبيره، وقال الشعبي: إنه قضى وأوشكت قريش أن تمله لشدته ووقوفه لها، بحيث وقف حائلاً بينها وبين نزعاتها ومطامحها في دنياها الجديدة”…

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

بقية: تمهيدات الحوادث

وانقضى عهد الصديق ثم انقضى عهد الفاروق “والمجتمع الإسلامي مجتمعان:

أحدهما ماض ولما يمض بأجمعه، والآخر مقبل ولما يقبل بأجمعه، وأوشك عمر على قوته أن يحار في تدبيره، وقال الشعبي: إنه قضى وأوشكت قريش أن تمله لشدته ووقوفه لها، بحيث وقف حائلاً بينها وبين نزعاتها ومطامحها في دنياها الجديدة”.

وتتابعت السنون على أيام عثمان، وهذان المجتمعان يلجان في الافتراق حتى افترقا غاية افتراقهما في النزاع بين علي ومعاوية، فكان علي يكبح تيارًا جارفًا لا حيلة له في السير معه ولا في دفعه، وكان معاوية يركب ذلك التيار رخاء سخاء بغير مدافعة وغير حيرة، ويركبه معه من لا يدافعه ولا يحار فيه …

وكأنما بقيت من التيسير هنا والتعسير هناك، فجاءت حصة علي حيث جاء الموالي([1]) من كل جنس يطلبون الحق الذي يطلبه كل مسلم ممن لا ينكر على أحد حقًّا من الحقوق، وخلت الحصة الأخرى من هؤلاء الموالي، وخلصت للعرب يوم كان العرب وحدهم قوام الدولة في دمشق بين القرشيين واليمانيين.

أحاط الموالي بالإمام حتى قال له بعض أنصاره من العرب: “لقد غلبتنا هذه الحمراء عليك”، وسار الإمام في العدل بينهم وبين العرب سيرة من يعلم أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى.

أما في الشام فقد كان معاوية لا يباليهم؛ لأنهم قلة هناك لا يحسب لها حساب، ومرضاة العرب أولى من مرضاة الموالي في دمشق حيث قامت الدولة الأموية، وحيث هان خطبهم بعد ذلك حتى قيل إنه هم بقتلهم والبطش بهم على غير عادته، وقال لهم غير مرة: إنكم عجم وعلوج!

وما كان من قبيل المصادفات أن الدولة الأموية قامت في دمشق، وأن الدولة التي قوضتها – وهي دولة بني العباس – قامت في بغداد، فإن دمشق ما كانت لتصلح مقامًا للدولة بعد اتساعها للعرب والفرس والترك والديلم، وموالي الأمم من كل قبيل.

وقد كانت العصبية العربية قوة للدولة الأموية في نشأتها، وكان اختلاط الموالي ضعفًا للدولة القائمة في الجزيرة؛ لأنهم أشتات متفرقون لم يكن منهم أحد يقبض على زمام من  أزمتها …

ونجمت ناجمة الخوارج فلم تكن لها جرثومة في الشام ينجمون منها، ولكنهم أصبحوا شعبة جديدة من شعب الشقاق بين الموالي والشيعة من العرب، وأصحاب التزمت والزهد من أدعياء الاجتهاد، وأدعياء الحق في محاسبة ولي الأمر على ما شرعه الكتاب …

ثم قتل علي دون صاحبيه المقصودين بالقتل معه: معاوية وابن العاص؛ فانتفع معاوية بعمله في حياته كأنه أعفاه من جهاد منافسيه بالحجاز والعراق، وانتفع بعده بالشقاق بين الشيعة والخوارج والموالي والعرب في رقعة الجزيرة، فإذا هم يضرب بعضهم بعضًا، ويغلبهم جميعًا بأيديهم كلما تفرقوا وتقاتلوا، وما كان في وسعهم أن يتفقوا أو يكفوا عن القتال.

وإن القدرة التي خلصت بها الخلافة لمعاوية بين هذه الحوادث لتوزن بميزانها الصادق إذا شاء المؤرخ أن يخالف بين الكفتين … فماذا كان معاوية صانعًا لو أنه بويع بالخلافة في المدينة، ولم تكن له سابقة ولاية على الشام؟ وماذا كان صانعًا لو كان على الشام يومئذ منافس يسوسها على سنة الملك، ويرتكن فيها إلى قواعد راسخة من عهد الفاروق وقواعد راسخة من قبل الإسلام؟.

ثم انفرد معاوية بالخلافة، ولزمته تبعة الدفاع عن الدولة في وجه أعدائها، فوضع المؤرخون في كفته هذه المأثرة غير مقدورة ولا محدودة، ولا منظور فيها إلى التمهيدات التي من قبيل ما قدمناه أو تربى عليها.

ولا شك أن رأس الدولة الأموية قد عمل على حمايتها، ولا بد له من العمل على هذه الحماية، ولسنا نعني هنا أنه حمى الدولة ليحمي ملكه ويحمي نفسه، فهذا قد يدخل في بيان النيات ولا يدخل في بيان القدرة التي أعانته على عمله، ولكننا نعني أننا لا نزن هذه القدرة بميزانها الصحيح إلا إذا عرفنا ما اضطلعت به، وكان لها يد فيه وعرفنا ما جرى في مجراه بحكم الحوادث، وليست فيه لها يد عاملة أو تدبير مقصود.

فالفتح الإسلامي قد ضعضع دولة الروم الشرقية وفت في أعضادها، وترك فيها رجال الدين والدنيا معًا يائسين من رجعة الشام إلى حوزتها، مؤمنين بتأييد الله للعرب الفاتحين عقابًا للرعاة والرعية على خطاياهم وخطاياها …

([1]) الموالي: جمع مولى، وهو من أسلم من غير العرب.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.