معاوية في الميزان (14)‏

معاوية في الميزان (14)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 10544 لاتعليقات

مضى معاوية على هذه الخطة التي لا تتطلب من صاحبها حظًّا كبيرًا من الحيلة والروية، ولعلها تناقض الدهاء فيما ينكشف من عللها التي لا تدق على فهم أحد، فلو أنه استطاع أن يجعل من كل رجل في دولته حزبًا منابذًا لغيره من رجال الدولة كافة…

المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد

بقية: الدهاء

مضى معاوية على هذه الخطة التي لا تتطلب من صاحبها حظًّا كبيرًا من الحيلة والروية، ولعلها تناقض الدهاء فيما ينكشف من عللها التي لا تدق على فهم أحد، فلو أنه استطاع أن يجعل من كل رجل في دولته حزبًا منابذًا لغيره من رجال الدولة كافة؛ لفعل، ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح؛ لما وصفه بغير مفرِّق الجماعات، ولكن العبرة لقارئ التاريخ في زنة الأعمال والرجال أن تجد من المؤرخين من يسمى عامه حين انفرد بالدولة عام الجماعة؛ لأنه فرَّق الأمة شيعًا شيعًا فلا تعرف كيف تتفق إذا حاولت الاتفاق، وما لبث أن تركها بعده تختلف في عهد كل خليفة شيعًا شيعًا بين ولاة العهود!.

وكانت خطة التفرقة عامة عنده لا يقصرها على الخصوم؛ ليضرب بعضهم ببعض، ويتقي شر فريق منهم بشر فريق، بل كان يتوخى هذه الخطة مقدمًا ومؤخرًا، وبين كل فريقين وعلى كل حال، وفي كل موقف كأنها غرض مقصود لذاته أو كأنها خير “مطلق” لا شر فيه …

وبدأ بهذه الخطة في السياسة العامة على عهد عثمان، فخص المهاجرين بدعوته قبل مرجعه إلى الشام، وقام بينهم يقول بعد أن دعاه عثمان للمقال: “أما بعد، يا معشر المهاجرين وبقية الشورى، فإياكم أعني وإياكم أريد”… ثم أتبع ذلك بكلام طويل في معناه، يقول فيه: “يا معشر المهاجرين وولاة هذا الأمر، ولاكم الله إياه فأنتم أهله، وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنهاه، وإنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى البلدين، فإن استقاموا؛ استقاموا، وايم الله الذي لا إله إلا هو … لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى؛ لا يقوم السابقون للتابعين، ولا البلدان للبلدين، وليسلبن أمركم ولينقلن الملك من بين أظهركم، وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض”…

ويروي بعض المؤرخين أنه لما استقر له الأمر، وبويع له بالخلافة، وجاءه وفد الأنصار؛ أمر أن يدعى كل منهم باسمه إلى حضرته بمشورة عمرو بن العاص الذي كره أن يدعى الجمع كله باسم الأنصار، ولكن عمرو بن العاص لم يكن معه يوحي إليه حين خص المهاجرين بتلك الدعوة قبل أن يتفقا على شيء في أمر الدولة، ولم يكن سلطان عمرو هو الذي احتمى به الأخطل حين اجترأ على هجاء الأنصار، فقال:

ذَهَبَت قُرَيشٌ بِالمَكارِمِ كلها

وَاللُؤمُ تَحتَ عَمائِمِ الأَنصارِ

فإنما اجترأ الشاعر هذه الجرأة بما علم من رضا الخليفة وأمانه أن يصيبه مكروه من جراء ذلك الهجاء.

ولم تقف خطة التفرقة عند هذه التفرقة بين مكة والمدينة؛ لأنه عمد إلى أهل مكة والطائف في بقعة واحدة، ففرق بينهما حين آثر الثقفيين – وهم أهل الطائف – بزلفاه، وسن لمن بعده سنَّة هذا الإيثار، فكان من رجال بين أمية المغيرة وزياد والحجاج ومحمد ابن القاسم، ورهط من الأقربين والصنائع([1])، وكانت الطائف على عهد معاوية وخلفائه كالحرس على أهل مكة ممن بقي فيها غير الأمويين السفيانيين، وقد أوقع بين هؤلاء الأمويين كما تقدم؛ فقسمهم بين بني حرب وبني العاص، وقسم بني العاص بين بيت سعيد وبيت مروان.

ومن خطط التفرقة التي حسنت لديه في حينها، وساءت عقباها بعد حين، وبعد كل حين؛ ذلك النزاع المشئوم بين اليمانية والمضرية، أو بين الكلبيين والقيسيين على اختلاف النسب والعناوين، وقد خبط([2]) الأكثرون من مؤرخي العصر في تعليله بمختلف العلل، إلا العلة المقصودة التي دبرت في ذلك العصر أسوأ تدبير، ولعل المدبرين كانوا يحسبونه يومئذ أحسن تدبير …

فالعصبية في القبائل العربية خليقة لا تَُهمل في حساب المنازعات والمناظرات في زمن من الأزمان، ولكنه من السخف أن يقال إن العصبية كانت علة انتصار اليمانية لبني أمية على بني هاشم، وإن اعتزاز الهاشميين بالنبوة هو الذي أحفظ عليهم صدور القبائل من غير المضريين، الذين ينتمي إليهم بيت النبوة من بني هاشم.

فقد كان بنو هاشم وبنو أمية جميعًا من قريش، وكان اعتزاز بني أمية بالنسبة القرشية أظهر وأجهر من اعتزاز الهاشميين عند قيام دولتهم – دولة الأمويين – إذ كانت هذه النسبة حجتها من جانب النسب في استحقاق الخلافة، وقد كانت اليمن هي القطر الوحيد الذي رحب بوالي الإمام علي في أول بيعته، وكان الأنصار أهل المدينة من حزبه وهم – بين أوس وخزرج – ينتمون إلى اليمانية، وكانت كندة تنصره وظلت على نصرته، ونصرة أبنائه زمنًا طويلاً بعد قيام الدولة الأموية والدولة العباسية، وكان أشد أعوان الفاطميين بعد ذلك من اليمانية في المشرق وفي المغرب، ولما تلاقى جيش علي وجيش معاوية في وقعة صفين كانت القبيلة العربية الواحدة تقاتل في كلا الجيشين … قال ابن الأثير: “وسأل علي عن القبائل من أهل الشام فعرف مواقفهم، فقال للأزد: اكفونا الأزد، وقال لخثعم: اكفونا خثعم، وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد؛ مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا القليل صرفهم إلى لخم”.

فالنزاع بين اليمانية والمضرية لم يكن نزاعًا على فخر النبوة، ولا على فخر الخلافة عند بداءة أمره، وإنما كان نزاعًا بين سلاحين أو بين جيشين متنافسين في مكان واحد، عدا ما هنالك من النزاع بين الفكرين، ونحن نرى في عصرنا – وفي كل عصر – أمثال هذا التنافس بين الأسلحة كلما جنح ولاة الأمر إلى فريق منهم دون فريق، وقد رأينا هذا التنافس بين سلاح البر وسلاح البحر وسلاح الهواء في الجمهورية الفضية، وكلهم من جنس واحد أو قومية واحدة؛ لأن ولاة الأمر هناك يؤثرون سلاحًا على سلاح في التنازل بينهم على السند الذي يستندون إليه.

([1]) الصنائع: جمع صنيع أو صنيعة، تقول: هو صنيعي أو صنيعتي، أي: الذي ربيته وخرجته.

([2]) خبط: سار على غير هدى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.