مـا هو الدين الذي نختاره؟!

مـا هو الدين الذي نختاره؟!

islam wattan . نشرت في المدونة 11738 لاتعليقات

السعادة التامة: هى الغاية التى تسعى إليها البشرية قبل كل شيء.. وهى لن تجدها – كما يثبت البرهان والواقع – إلا فى ظل الدين الذى يضع برامجه الحياتية خالق البشرية، العالم بأدوائها وعلاجها…

سماحة السيد علاء أبو العزائم

شيخ الطريقة العزمية

مـا هو الدين الذي نختاره؟! ‏

مقدمة

السعادة التامة: هى الغاية التى تسعى إليها البشرية قبل كل شيء.. وهى لن تجدها – كما يثبت البرهان والواقع – إلا فى ظل الدين الذى يضع برامجه الحياتية خالق البشرية، العالم بأدوائها وعلاجها.

وهناك الكثير مما يسمى بـ (الدين) من النظم والعقائد، فما هو الدين الواقعى الذى يجب أن نختاره ونفضله على الباقى؟!.

نحن نرى أن الدين الصحيح هو مجموعة القوانين والنظم العامة الشاملة الكفيلة بتأمين متطلبات السعادة البشرية والقائمة على أساس من علم تام بالاحتياجات البشرية وعلاجها، وهذا لا يتوفر إلا فى الله خالق الكون، فالدين الصحيح إذن:

عقيدة واقعية تقوم على أساسها قوانين شؤون الحياة الإنسانية كلها.

وخلافًا لما كان سائدًا فى الغالب بين الناس فى العصور والقرون الماضية من الاتباع الأعمى والتقليد المطلق لأى دين لديهم، والتعصب البغيض له دون أن يلتفتوا إلى أى نقاش – خلافًا لذلك، فإن البشرية الممتدة اليوم تتطلب الدين وتسعى إليه حينما يكون مشتمـلاً على مختلف النظم التى تعالج شؤون الإنسانية كلها من مادية، ومعنوية، كى تستطيع فى ظله أن تحل مشاكل حياتها.. لا الدين الذى يتشكل من مجموعة مراسم خاوية جافة لا فائدة فيها.

والذى نلاحظه اليوم- ومع الأسف- فى الشرائع ما عدا الإسلام- وهى كلها نماذج محرفة من الشرائع السماوية القديمة أو المذاهب الأخلاقية التى انتشرت قبل آلاف من السنين- ما نلاحظ فيها أنها ليست فاقدة لتخطيط كامل وشامل فحسب، بل هى أيضًا لا تدعى لنفسها ذلك:

إن تعاليم زردشت، بوذا، كنفوشيوس، اليهودية والمسيحية مع أنها قد حملت وأعطيت لبعض الناس على أنها أديان، فإنها- إن كانت مما يعتنى به- لا تتعدى سلسلة من النصائح والمواعظ التى لا تحل أية عقدة اجتماعية، أو اقتصادية أو سياسية، ولا تعالج أية مشكلة من مشاكل العالم المتزايدة.

ونحن إذ نعيش فى مثل هذا العصر وبين مثل هذه المشكلات المتنامية يومًا بعد يوم، وإذ نشاهد الرقى العلمى والتجريبى للبشرية من جهة وخرافات الأديان والمذاهـب المعروفة فى العالم من جهة أخرى، لا نرى من اللائق بنا أن ننتخب دينًا معينًا هكذا وعلى أساس من التعصب والتقليد الأعمى وبدون أية دقـة وبحث، أو أى اعتناء بالحاجات الروحية والمادية؟.

أنا أعلم يقيناً أنه اختيار صعب؛ لأن العقل والتفكير لن يجيز لنا هذا المسلك، بل إنه بمقتضى حكم العقل والمنطق يجب علينا أن نكون بصدد البحث عن دين يتكفل تأمين النظم التى تسد احتياجات الإنسان فى كل الجوانب، وتستهدف السعادة الإنسانية على أن يكون ذلك الدين قادرًا على تحقيق ذلك.

ونحن لم نعهد وجود مثل هذا الشمول فى غير الإسلام، ولهذا فإننا نختار الإسلام لا غير.

لماذا نختار الإسلام؟

إننا نسلم؛ لأننا وجدنا فى الإسلام- لا غير- صفات ومزايا الدين الحق الصحيح التى يفرضها عقلنا ويصدق بها كل إنسان منصف.

إننا نسلم؛ لأن القوانين الإسلامية تحوى برنامجًا كاملاً لتأمين أساس (سعادة الإنسانية)، ولهذا السبب فهى تحوى أحكامًا شاملة وواقعية وبرامج منظمة دقيقة فى مختلف الشؤون الحياتية والاجتماعية، الأخوة، المساواة والفردية والداخلية (من قبيل التعليمات الطبية والوقائية وآداب السفر، وقوانين المرور، وحتى الاستحمام).

إننا نسلم؛ لأن الإسلام دين منطقى يتعامل مع العقل والفكر لا العواطف فقط، ولأنه جاء بأمور يقبلها الجميع على اختلاف مستوياتهم الفكرية وطاقاتهم العقلية، لأنها وفق فطرتهم، ولأنه لا يعتذر ويتوسل أمام العلم والعلماء الذين يطلبون الدليل منه بأن تعاليمه أمور (سـرية) و(رمزية) وأمثال ذلك من أعذار واهية، فلا يفر من المنطق والاستدلال، بل يؤكد على أنه الأسلوب الأمثل للوعى والاعتقاد والإيمان الكامل…

أننا نؤمن بـ (الله) الذى يعرفه لنا الإسلام.

ذلك لأن الصورة التى يقدمها لنا الإسلام عن (الله) خالق الكون لم تكن- كما كانت المسيحية وسائر الشرائع المنسوخة- تحت رحمة ذوق أى أسقف أو قسيس ومستوى تفكيره.

فالمسألة الإلهية أصولاً فى الإسلام – وخلافًا للمسيحية – لم تكن يومًا مخالفة للاستدلال والعقل، بل بنيت محضًا على أساس من التفكير والدليل والبرهان.

نعم.. إننا نسلم؛ لأننا نرى الإسلام دينًا مطابقًا للفطرة والبنية الطبيعية للإنسان، ونرى قوانينه بنيت على هذا الأساس الواقعى الفطرى، ولذا كان دينًا جامعًا كاملاً واضحًا سهلاً، ولا يمنع من التقدم بل يحث عليه فى جميع المجالات المناسبة.

ليس فى الإسلام ركود أو جمود، إنه الدين الإيجابى الحركى لا الدين الضعيف أو الميت.

وأهم مسألة مادية فيه هى العمل والإبداع اللذان يحث عليهما بمختلف الأساليب والمناسبات، ويعتبر الدنيا بدونهما (دنيا لا معنى لها).

إننا نسلم؛ لأن الإسلام عدو الخرافات، ولأنه لا يسعى أبدًا لكى يحمل الناس مثل تلك العقائد التى تسعى المسيحية اليوم لتحميلها على الناس مثل خرافة (عبادة الثلاثة)، أو المراسم الخاوية الخالية من أى مدلول مثل (التعميد) و(العشاء الربانى) و(صكوك الغفران) كل ذلك باسم الدين.

إننا نسلم؛ لأن الإسلام خلافًا للمسيحية وبعض المذاهب الأخرى لا يحارب العلم والمسلمات فى عالم الطبيعة، ولأنه يذكر العلم بكل خير، ولا يجيز مطلقًا أن يقف المكتشفون والمخترعون أمام منصة الحكم لأجل أن يجيبوا على تهمة الفهم الصحيح للطبيعة وقوانينها واكتشافاتهم العلمية فيها، ومن ثم يصدر الحكم عليهم بالقتل أو الإحراق أو الشنق، وما تقدمت أوربا وأمريكا إلا بعد الأخذ من علوم المسلمين، والتحرر من سلطان الكنيسة.

إننا نسلم؛ لأننا لا نجد للإنسان كرامة وشخصية محترمة إلا فى الإسلام.. ومن هنا فإن الإسلام هو الدين الوحيد الذى منح الناس الحرية فى العقيدة إذ قال: )لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( (البقرة: 256).

فلم يجبر أحدًا على اعتناق الإسلام، ولم يشكل محاكم تفتيش العقائد (الانكيزيسيون).

والانكيزيسيون: أو محاكم تفتيـش العقائد، هى مجالس منشأة من قبل البابوات والقساوسة فى القرون الوسطى فى كل أنحاء أوربا، وكانت سجونها ملأى بمخالفى المسيحية، وأولئك الذين اتهموا بالضلال والإلحاد حيث كانوا يعذبون عذابًا أليمًا ثم يحرقون.. إننا نرجو أن تطالعوا تاريخ القرون الوسطى لتكونوا على علم بجنايات الآباء الروحيين، لتعلموا بماهية الجنايات الوحشية التى ارتكبوها باسم الدين والدفاع عنه.

إن الإسلام ليجيز أن يعيش الآخرون فى ظل حكومته الإسلامية فى أمان ورفاه ويضع لهم حقوقهم الاجتماعية.

إننا نسلم؛ لأننا نرى الإسلام (الحافظ الأصيل لحقوق الإنسان)، إذ نجد فى أى جانب من جوانبه دفاعًا عن حقوق الإنسان وجهادًا ضد الظلم وهضم الحقوق، وسعيًا لإحقاق حقوق المجتمعات فى العالم.. ولهذا الأمر فإنه الدين الوحيد الذى جعل السياسة بالمعنى الواقعى للكلمة جزءًا منه ليكون تدبير الأمور الاجتماعية للمجتمع قائمًا على أسس وقواعد إنسانية وبشكل صحيح تحت نظره.. لا أن يكون قائمًا على أساس من الخداع وبأيد فاسدة مجرمة.

إننا نتبع الإسلام؛ لأن القوانين الحقوقية فى الإسلام بالأدلة القاطعة المتوفرة وشهادة الحقوقيين العالميين، تتفوق على القوانين الحقوقية المتطورة فى العالم والمجتمعات المختلفة.

إن الإسلام هو الدين الوحيد الذى توجه وبذل عنايته الخاصة للمسائل الاقتصادية الدقيقة (كالتوزيع المتناسب للثروة، والحث على العمل والإنتاج، والصراع ضد البطالة، وتأمين الضمان الاجتماعى وغير ذلك) والمسائل السياسية ومسائل السلام والأمن العالمى والأخلاق، والعلم، ومسائل الفرد والعائلة والمجتمع، ومسائل التربية الروحية والبدنية والنمو الفكرى وغير ذلك، مبينًا لها أسلم الطرق وأصحها وأكثرها قابلية للتنفيذ.

إننا نستقبل الكتاب السماوى العظيم (القرآن الكريم)؛ لأنه لا تحريف فيه ولا تناقض كما هو الحال فى سائر الكتب السماوية، وكلما يثبت لنا كون الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين وغيرهم جعليًّا، ويتوضح ذلك أكثر فأكثر على أثر تحقيقات العلماء، فإن يقيننا يقوى أكثر بأن القرآن الكريم كتاب سماوى بلا شك.

لماذا أسلمت شعوب العالم؟

إن الإنسان الواعى فى هذا العصر لو نظر إلى الإسلام نظرة منصفة محققة بعيدة عن التعصب والسطحية فإنه سيتقبله، ويضطر لأن يقف أمامه موقف التحسين والإجلال.

إن شعوب العالم قد تقبلت الإسلام؛ لأنها وجدت فيه الإشباع الكافى لكل احتياجاتها الفطرية.. وإلا فما تبرير ما نشاهده اليوم من تقدم الإسـلام وانتشاره المحير للعقول فى آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا، مع كل هذه الحريات الممنوحة للمبشرين والمجالات المفتوحة لعملهم فى الأقطار الإسلامية، ومع أن الإسلام اليوم لا يملك جهازًا إعلاميًّا صحيحًا فى الواقع، وبالتالى مع كل تلك الآثار المحسوسة للضعف والانكسار فى مجال التدين فى السنين الأخيرة.

لقد أصبح من غير المعقول أن يقال اليوم بأن سيف الفاتحين هو الذى يمهد السبيل لانتشار الإسلام، بل إننا نشاهد على العكس من ذلك تمامًا فى تلك المناطق التى حكمها الإسلام فى زمان معين ثم استولت على الحكم حكومات من أديان أخرى، وجهزت كل ما لديها من قوى وإمكانات دعائية وتبشيرية هائلة لإرجاع المسلمين عن عقيدتهم الإسلامية نشاهد أنها فشلت تمامًا فى تلك المساعى الرامية لفصل الإسلام عن حياتهم، بل زادتهم تمسكًا، فما أعظم تلك الطاقة الإعجازية التى تكمن فى هذا الدين؟!. وما أروع تلك الإمكانات الذاتية للإقناع وجذب الناس، والتى امتزجت مع روح هذا الدين حتى دفعت الأناس الواعين والأحرار فكريًّا؛ لأن يستقبلوا هذا الدين بمثل هذا الشوق والحرارة الفائقة.

وعلى هذا فإن أولئك القائلين: (بأن الإسلام قد انتشر بالسيف) ليس لهم مبرر لذلك القول إلا العداوة والحقد.. وأن الوقائع التاريخية الماضية والحوادث الجارية فى عصرنا الحاضر كلها تكذب هذا الادعاء الأثيم.

وإذا كان البابا (يوحنا بول الثانى) قد بيَّن فى منشوره أن هناك ميلاً سلبيًّا فى الكنيسة، وهى تلاقى مصاعب داخلية وخارجية فى الاندفاع التبشيرى نحو غد المسيحيين، بينما يشهد العالم تزايدًا فى الإقبال على الإسلام، وانحسارًا فى المناطق المسيحية فى الشرق الأدنى وإفريقية، وجسورًا للإسلام تتزايد فى جنوبى أوربا، فالإسلام هو الدين الوحيد الذى يتحدى انتشار المسيحية، أو التأثير على المسلمين، فراح البابا يطلب من الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز الدعم المالى لمضاعفة جهود التبشير، وكان من الأجدر أن يبحث عن سبب كون الإسلام الأول بين العقائد فى العالم انتشارًا، وبدعوة عفوية، دون جهود مركزة تذكر، ليعلم يقينًا، أن العقل اليوم- ونحن فى بداية القرن الواحد والعشرين- أصبح الحكم فى اعتناق العقيدة، كما أصبح تحكيم العقل أساسًا فى مناقشة طروحات الشرائع المختلفة.

الإسلام هو دين العصر

لقد قال الإمام أبو العزائم فى كتابه (وسائل نيل المجد الإسلامى) فى العشرينيات من القرن الماضى:

(لم يبلغ الإنسان مقام الشرف والمجد إلا بالإسلام، وقد ترك المسلمون العمل بوصايا الإسلام فذلوا لمن كانوا أتباعًا لهم، وترك غيرهم دينهم فعزوا فى الأرض لأخذهم بأعمال المسلمين الكونية. وإنى على يقين أن تلك الأمم قريبًا يظهر لها الحق جليًّا فتسارع إلى الإسلام، وكيف لا؟ والإنسان مفطور على حب الحرية والمساواة، ومجبول أن يحكم على الأشياء بعقله، وكلما أظهرت الصناعات والفنون ما كنزه الله للخلق فى المادة كلما فكت الأغلال من عنق العقل، فحكم أن الدين الإسلامى هو الدين الحق، وإن ما سواه لا يقبله العقل.

ومن حكم أن الدين الإسلامى لا يحث على تحصيل العلوم كذَّبته الحقائق، والواجب على المسلمين فى هذا العصر بعد أن شهد أعداء الدين بأحقيته، وسارع فيه كثيرون من أمريكا وأوربا، أن يسارعوا إلى الحق والعمل به، ليكونوا أئمة لمن ستنكشف لهم أنوار الإسلام قريبًا، بل وليكونوا متمتعين بالحياة الإسلامية الفاضلة، مسارعين إلى نيل السعادة الباقية فى جوار الأخيار ممن عملوا بالإسلام ونشروا فضائله وآدابه وأصوله بين الأمم، والأمر سهل، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً).

وعلى هذا الترتيب، نعلم أن الإسلام دين فطرى كامل جاء لتأمين الاحتياجات الإنسانية المادية والروحية فى كل العصور، فهو خلافًا للشرائع السابقة دين خالد.

لكل هذه الأمور ولغيرها فإننا نسلم، ونطلب إلى كل إخواننا فى الإنسانية إن لم يكونوا مسلمين أن يقوموا بإجراء تحقيق دقيق حول (حقيقة الإسلام) لتتوضح لهم معالم طريق الحق والصواب.. وعندها يختارون الدين الصحيح، وهو أصعب اختيار فى حياة الإنسان على الإطلاق.

وختامًا فإننا ندعو الله العلى القدير أن يهدى الجميع إلى الصراط المستقيم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.