موجز تاريخ الحيلة الدينية عند العرب (4)

موجز تاريخ الحيلة الدينية عند العرب (4)

islam wattan . نشرت في المدونة 8753 1 تعليق

يجهل الكثير من الناس السبب الذي نشر النصرانية في بلاد أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين، وجهل هذه الحقائق مضر بالمجتمع الإنساني؛ لأن أتباع المسيح A في هذه البلاد سوف يجدون مفاجأة تبين أنهم قد خالفوا الحق المبين؛ لأن عيسى A ما جاء إلا ليبين لبني إسرائيل ما خفي عليهم، ويخفف عنهم ما شددوا بهم على أنفسهم، ويردهم إلى أصول العقيدة الصحيحة….

الدكتور بليغ حمدي

النصرانية

الحديث عن النصرانية حديث واجب ومهم ويكاد يكون ضروريًّا، فإذا قلنا سابقًا: إن ظهور النبي J كان استجابة لدعوة إبراهيم A حينما دعا ربه: )رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( (البقرة: 129). فالرسول J بشارة أخيه عيسى A كما حدَّث هو نفسه، فقال J: (أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى). وبشرى عيسى كما جاءت في القرآن:  )وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ( (الصف: 6).

ويذكر ابن إسحاق أن بنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم C على الإنجيل، ويشير ابن إسحاق إليهم بقوله: “أهل فضل واستقامة من أهل دينهم”، وكان موقع أصل هذا الدين بنجران، وهي بأواسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب أهل أوثان يعبدونها، وذلك أن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين يدعى “فيميون” وقع بين أظهرهم فحملهم عليه، فدانوا به.

وانقسمت النصرانية في ذلك العهد إلى عدة كنائس أو فرق، تسربت منها إلى بلاد العرب فرقتان كبيرتان هما: النساطرة، واليعاقبة. فكانت اليعاقبة في غسَّان وسائر بلاد الشام، والنساطرة منتشرة في الحيرة. وقد كان بنجران كعبة يقال لها “بيعة”، وقد بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء وهيئة الكعبة وسموها كعبة نجران، وكان نصارى نجران على مذهب اليعاقبة وهذا يبرهن على اتصالهم بنصارى الحبشة. وكان من هؤلاء النصارى شعراء مثل “قس بن ساعدة”، و”أمية بن أبي الصلت” و”عدي بن زيد”، وفي أشعارهم وقصائدهم لمحات دينية.

ومن المؤكد أن تناحر وتشيع الفرق المسيحية وغموض تعاليمها وجفاف مادتها من أسباب إصرار العرب على عدم الدخول في المسيحية والبقاء على وثنيتهم، وبتوالي الزمن تعددت مذاهب المسيحية وانقسمت إلى أحزاب كثيرة، وقد تنكر كل حزب للحزب الآخر بسبب الخلاف في الرأي، ولعل ما كان لهذه الأحزاب والطوائف آراء ونظريات جدلية غريبة مثل أن لعيسى A جسدًا يزيد على الطيف يظهر به للناس، ومنهم من يعبد مريم، والكثير من القضايا الجدلية التي لم تجد صدرًا عربيًا يقبلها مثل إن المسيح A ولد الله، يقول تعالى: )قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ( (يونس: 68 – 70 ).

هذا بالإضافة إلى قضية الثالوث والفداء التي لا تعرفها أديان السماء، وعلى حد قول الشيخ محمد الغزالي: “ما سمع بها عيسى A”. ولا شك أن النصارى الأولين كانوا على عقيدة التوحيد، ويبدو أن نفرًا من شياطين الإنس والجن حاولوا فتنتهم عن هذا الدين، وأرادوا أن يخلطوا بين الوحي المنزل على عيسى A، وبين تعاليم ودروس أرضية. ولاشك أن العرب قد احتاروا حقًّا بين آلهة ثلاثة ووسطاء يغفرون الذنوب، يقول تعالى: )وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ( (التوبة: 30 – 32).

وهكذا احتار العرب وغلق عليهم فهم كيف أن عيسى إله مع الله، وأن الإله الابن مساوٍ لله ذاته، ومغاير له في الوقت نفسه، يقول الله تعالى: )وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا( (الكهف: 4، 5).

لماذا انصرف العرب عن النصرانية؟

يجهل الكثير من الناس السبب الذي نشر النصرانية في بلاد أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين، وجهل هذه الحقائق مضر بالمجتمع الإنساني؛ لأن أتباع المسيح A في هذه البلاد سوف يجدون مفاجأة تبين أنهم قد خالفوا الحق المبين؛ لأن عيسى A ما جاء إلا ليبين لبني إسرائيل ما خفي عليهم، ويخفف عنهم ما شددوا بهم على أنفسهم، ويردهم إلى أصول العقيدة الصحيحة.

ونجد في متن الأناجيل المتعددة ما يوضح أن دعوة عيسى A كانت دعوة خاصة جدًا ومحصورة في بني إسرائيل، وبالتالي فإن أتباع المسيحية اليوم قد ضلوا أنفسهم بفكرة أنه مخلصهم. وقد سارت النصرانية في طريقها التطوري حتى تكونت فكرتها عن الثالوث الذي يعني عند المسيحيين الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير.

واعتقد أهلها أن الإنسان أخطأ خطيئة كبرى عندما عصى آدم ربه في الجنة، فأخرجه الله منها عقوبة له، ثم أراد أن ينقذه فأرسل ابنه منقذًا له، يفتدي خطيئته بدمه، وكما هم يزعمون أن المسيح A صلب وسفك دمه إلا فدية لخطيئة الإنسان الأولى، والخطيئة تبقى من الإنسان، وعليه أن يشارك بدم المسيح لكي ينقذ نفسه، ومن هنا كان ما يسمى بسر القربان المقدس عندهم.

يقول الله تعالى: )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً * لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا( (النساء: 171 – 173).

كل هذه الأسباب السابقة مجتمعة ساهمت في انصراف أهل العرب عن الدخول في المسيحية، وكثرة الدلالات والرؤى النظرية المجردة التي تحيط بها وما صاحبها من شطط وحيرة وغموض.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.