مــوجـز تـاريــخ الحـيـاة الدينية عــنــد العـرب (3)

مــوجـز تـاريــخ الحـيـاة الدينية عــنــد العـرب (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 8527 1 تعليق

لقد شاع واستقر بين المؤرخين تقسيم أقوام العرب إلى ثلاثة أقسام بحسب السلالات التي انحدروا منها وهي:

اتخذ كل دار وبيت صنمًا ووثنًا يعبدونه، فإذا أراد الرجل أن يسافر إلى مكان أخذ يتمسح به حين يركب، وكان هذا أول ما يشرع به قبل سفره وآخر فعله حينما يرجع…

الدكتور بليغ حمدي

بقية: الحياة الدينية عند العرب

هذه الأسماء: ود، ويعوق ويغوث، وسواع، ونسرا، هي أسماء قوم صالحين من قوم نوح A، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ذلك لكنها لم تعبد، حتى إذا هلك أولئك النفر عُبدت، وقد ذكر الطبري هذا المعنى وزاد فيه من جانب رؤيته بقوله: “أن سواعًا كان ابن شيث، وأن يغوث كان ابن سواع، وكذلك يعوق ونسر، كلما هلك الأول صورت صورته، وعظمت لموضعه من الدين، ولما عهدوا في دعائه من الإجابة، فلم يزالوا هكذا حتى خلقت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة”.

وقد اتخذ كل دار وبيت صنمًا ووثنًا يعبدونه، فإذا أراد الرجل أن يسافر إلى مكان أخذ يتمسح به حين يركب، وكان هذا أول ما يشرع به قبل سفره وآخر فعله حينما يرجع.

الطواغيت

كانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها. ومن مظاهر التقرب إلى الأصنام النذر في الحرث والأنعام، يقول الله تعالى: )وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ( (الأنعام: 138).

كما كانت منها البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، والبحيرة هي بنت السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سُيِّبت، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فُعِل بأمها، في البحيرة بنت السائبة، والوصيلة الشاة إذا أتأمت، أي جاءت باثنين في بطن واحدة، عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر جعلت وصيلة. قالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء فيشتركوا في أكله ذكورهم وإناثهم. يقول تعالى: )مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ( (المائدة: 103).

الكعبة

وإذا انطلقنا من هذا الحديث الموجز عن أصنام العرب إلى حديث آخر عن أقدس الأمكنة في شتى بقاع الأرض ألا وهي الكعبة فكانت قبل الإسلام الرمز الأشمل لحياة العرب الروحية، ولكن ارتباط العرب بالكعبة والمكانة الرفيعة التي كانت تحتلها في وجدانهم تشير إلى أنه كان البيت الذي بني في أول الأمر لله، وهو الرب والإله الأعلى للعرب، وكانت حول الكعبة منطقة دائرية كان الحجاج يقومون فيها بشعيرة الطواف، أي الطواف حول البيت العتيق سبع مرات في اتجاه حركة الشمس، وكان حول الكعبة كذلك ثلاثمائة وستون صنمًا، أو تماثيل للأرباب، ويشير الأستاذ سيد خميس في كتابه “القصص التاريخي” إلى أن هذه الأصنام ربما كانت رموزًا طوطمية لشتى القبائل التي كانت تحج إلى البيت الحرام في الشهر المحدد لذلك.

وترى الباحثة البريطانية كارين أرمسترونج Karen Armestrong  أن بيت الله الحرام كان يتمتع بقداسة مشتركة بين أجناس الجنس السامي، وأن الدين السومري القديم هو الذي نبعت منه فكرة الدائرة، والرموز المقامة حول الكعبة وعددها 360 تشير إلى عدد أيام السنة السومرية المكونة من 360 يوم، إلى جانب خمسة أيام مقدسة يقضيها الناس خارج الزمان؛ للقيام بشعائر خاصة تربط ما بين الأرض والسماء.

وكان موسم الحج يعني بجانب الالتزام الديني ضرورة نفسية وإبداعية في الخروج عن الرتابة، والكفاح المرير من أجل الحياة، والصراع الضاري الذي تحكمه التقاليد القبلية، ففي أيام الحج لا قتال ولا اعتداء، هذا بجانب الجانب الاقتصادي التجاري، ومكة كانت من أهم أسواق ومراكز العرب التجارية السنوية.

واسم مكة من الأسماء التي دار حولها جدل واسع، وتعددت التفسيرات للاسم وتباينت، فـ “جرجي زيدان”  يرى أن الاسم يرجع إلى أصول بابلية أشورية، والكلمة تعني “البيت” في البابلية، وهو اسم الكعبة عند العرب. وأشار العالم اليوناني “بطليموس” باسم “ماكورابا”، أما الطبري فيرى أن اسم مكة ليست اسمًا لشخص، بل اسمًا لسمكة.

اليهودية

انتشرت اليهودية في جزيرة العرب قبل الإسلام، وتكونت فيها مستعمرات يهودية، وأشهرها يثرب، وهي التي سميت بالمدينة بعد ذلك، وبالمدينة المنورة حتى وقتنا هذا. ويهود هذه المنطقة يمكن أن نقسمهم إلى قسمين: يهود نزحوا إلى الجزيرة، وآخرين تهودوا فيها. ويشير المفكر الإسلامي أحمد أمين في كتابه ” فجر الإسلام ” إلى أنه كانت في القرون الأولى للميلاد مستعمرات يهودية في تيماء، وفي فدك، وفي وادي القرى، وكان يهود يثرب ثلاث قبائل: بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة، كذلك عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن.

ومن أشهر هؤلاء المتهودين ” ذو نواس “، وقد اشتهر بتحمسه  بتحمسه لليهودية آنذاك واضطهاده لنصارى نجران، وذكر المؤرخون في سبب ذلك أن يهوديًّا كان بنجران عدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلمًا، فرفع أمره إلى ذي نواس وتوسل إليه باليهودية، واستنصره على أهل نجران وهم نصارى فحمى له ولدينه وغزاهم.

وحينما سار ” ذو نواس”  إلى أهل نجران بجنوده دعاهم أولاً لليهودية، وخيرهم بين ذلك والقتل، لكنهم اختاروا القتل، فخدَّ لهم الأخدود، فحرق وقتل ومثَّل بهم، يقول الله تعالى: )قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ  * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( (البروج: 4-8).

وبعض المؤرخين يظنون أن ما قام به ” ذو نواس ” كانت عبارة عن حركة وطنية، حيث إن نصارى نجران كانوا على ولاء مع الحبشة، والحبشة هذه الأثناء كانت حامية النصرانية في نجران، وقد اتخذت النصرانية وسيلة للتدخل في شئون اليمن، فأراد ” ذو نواس ” محو هذا النفوذ الحبشي. وهؤلاء اليهود الذين نزحوا إلى بلاد العرب طفقوا ينشرون تعاليم التوراة من خلق الدنيا والبعث والحساب ودسوا فيها كعادتهم القصص والأساطير والخرافات.

وللحديث بقية إن شاء الله

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.