منهج الإمَامِ الحُسَيْنِ ‏عليه السلام‏ في إيقَاظِ الأُمَّةِ

منهج الإمَامِ الحُسَيْنِ ‏عليه السلام‏ في إيقَاظِ الأُمَّةِ

islam wattan . نشرت في المدونة 10329 1 تعليق

إنَّ الإمَامَ الحُسَيْنَ لم يَخْلُدْ إلى السُّكُونِ والخُمُولِ حتَّى عِنْدَ إقْرَارِهِ الصُّلْحَ معَ مُعَاوِيَةَ، فقد تَحَرَّكَ انْطِلاقًا مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ تِجَاهَ الشَّرِيعَةِ والأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وبِصِفَتِهِ حَامِلَ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ – بعدَ أخِيهِ الإمَامِ الحَسَنِ – مُرَاعِيًا ظُرُوفَ الأُمَّةِ وسَاعِيًا إلى المُحَافَظَةِ عَلَيْهَا…

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

منهج الإمَامِ الحُسَيْنِ ‏عليه السلام‏ في إيقَاظِ الأُمَّةِ

إنَّ الإمَامَ الحُسَيْنَ A لم يَخْلُدْ إلى السُّكُونِ والخُمُولِ حتَّى عِنْدَ إقْرَارِهِ الصُّلْحَ معَ مُعَاوِيَةَ، فقد تَحَرَّكَ انْطِلاقًا مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ تِجَاهَ الشَّرِيعَةِ والأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وبِصِفَتِهِ حَامِلَ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ – بعدَ أخِيهِ الإمَامِ الحَسَنِ A – مُرَاعِيًا ظُرُوفَ الأُمَّةِ وسَاعِيًا إلى المُحَافَظَةِ عَلَيْهَا.

وقد عَمِلَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A في فَتْرَةِ حُكْمِ مُعَاوِيَةَ علَى تَحْصِينِ الأُمَّةِ ضِدَّ الانْهِيَارِ، فأعْطَاهَا مِنَ المُقَوِّمَاتِ المَعْنَوِيَّةِ القَدْرَ الكَافِي، كَيْ تَتَمَكَّنَ مِنَ البَقَاءِ صَامِدَةً في مُوَاجَهَةِ المِحَنِ.

وتَمَثَّلَتْ هذهِ المَوَاقِفُ فِيمَا يَلِي إجْمَالاً:

1- مُوَاجَهَةُ مُعَاوِيَةَ وبَيْعَةِ يَزِيدَ.

2- مُحَاوَلَةُ جَمْعِ كَلِمَةِ الأُمَّةِ.

3- فَضْحُ جَرَائِمِ الحُكْمِ الأُمَوِيِّ.

4- اسْتِعَادَةُ حَقٍّ مُضَيَّعٍ.

5- تَذْكِيرُ الأُمَّةِ بِمَسْؤُولِيَّاتِهَا..

وإلَيْكُمُ التَّفْصِيلُ:

أوَّلاً: مُوَاجَهَةُ مُعَاوِيَةَ وبَيْعَةِ يَزِيدَ([1])

أعْلَنَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A رَفْضَهُ القَاطِعَ لبَيْعَةِ يَزِيدَ وكَذَا زُعَمَاءُ المَدِينَةِ، فقَرَّرَ مُعَاوِيَةُ أنْ يُسَافِرَ إلى المَدِينَةِ ليَتَوَلَّى بنَفْسِهِ إقْنَاعَ المُعَارِضِينَ، فَاجْتَمَعَ بالإمَامِ الحُسَيْنِ وعبدِ اللهِ ابنِ عَبَّاسٍ، فأشَادَ بالنَّبِيِّ J وأثْنَى عَلَيْهِ، وعَرَضَ بَيْعَةَ يَزِيدَ ابْنِهِ، ومَنَحَهُ الألْقَابَ الفَخْمَةَ، ودَعَاهُمَا إلى بَيْعَتِهِ، فَانْبَرَى الإمَامُ الحُسَيْنُ A فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ وصَلَّى علَى رَسُولِهِ، ثُمَّ قَالَ:

(أمَّا بَعْدُ، يا مُعَاوِيَةُ!!

فلَنْ يُؤَدِّيَ المَادِحُ وإنْ أطْنَبَ في صِفَةِ الرَّسُولِ J، وقد فَهِمْتُ ما لَبَّسْتَ بِهِ الخَلَفَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ J مِنْ إيجَازِ الصِّفَةِ، والتَّنَكُّبِ عَنِ اسْتِبْلاَغِ النَّعْتِ، وهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يا مُعَاوِيَةُ!! فَضَحَ الصُّبْحُ فَحْمَةَ الدُّجَى، وبَهَرَتِ الشَّمْسُ أنْوَارَ السُّرُجِ، ولقد فَضَّلْتَ حتَّى أفْرَطْتَ، واسْتَأْثَرْتَ حتَّى أجْحَفْتَ، ومَنَعْتَ حتَّى بَخِلْتَ، وجُرْتَ حتَّى تَجَاوَزْتَ، ما بَذَلْتَ لِذِي حَقٍّ مِنِ اسْمٍ حَقَّهُ مِنْ نَصِيبٍ، حتَّى أخَذَ الشَّيْطَانُ حَظَّهُ الأوْفَرَ، ونَصِيبَهُ الأكْمَلَ.

وفَهِمْتُ ما ذَكَرْتَهُ عَنْ يَزِيدَ مِنَ اكْتِمَالِهِ، وسِيَاسَتِهِ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ J، تُرِيدُ أنْ تُوهِمَ النَّاسَ في يَزِيدَ كأنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوبًا، أو تَنْعَتُ غَائِبًا، أو تُخْبِرُ عمَّا كانَ مِمَّا احْتَوَيْتَهُ بعِلْمٍ خَاصٍّ، وقد دَلَّ يَزِيدُ مِنْ نَفْسِهِ علَى مَوْقِعِ رَأْيِهِ، فخُذْ ليَزِيدَ فِيمَا أخَذَ بِهِ مِنَ اسْتِفْرَائِهِ الكِلابَ المُهَارِشَةَ عِنْدَ التَّحَارُشِ([2])، والحَمَامَ السَّبْقَ لأتْرَابِهِنَّ والقِيَانَ([3]) ذَوَاتَ المَعَازِفِ، وضُرُوبَ المَلاهِي، تَجِدْهُ نَاصِرًا.

ودَعْ عَنْكَ ما تُحَاوِلُ، فمَا أغْنَاكَ أنْ تَلْقَي اللهَ بِوِزْرِ هذا الخَلْقِ بأكْثَرَ مِمَّا أنْتَ لاقِيهِ! فوَاللهِ ما بَرِحْتَ تَقْدَحُ بَاطِلاً في جَوْرٍ، وحَنَقًا في ظُلْمٍ حتَّى مَلأْتَ الأسْقِيَةَ، وما بَيْنَكَ وبَيْنَ المَوْتِ إلاَّ غَمْضَةٌ علَى عَمَلٍ مَحْفُوظٍ في يَوْمٍ مَشْهُودٍ ولاتَ حِينَ مَنَاصَ، ورَأَيْتُكَ عَرَّضْتَ بِنَا بَعْدَ هذا الأمْرِ، ومَنَعْتَنَا عَنْ آبَائِنَا تُرَاثًا، ولعَمْرُ اللهِ لقَدْ أُورِثْنَا الرَّسُولَ J وِلادَةً، وجِئْتَ لَنَا بِمَا حَجَجْتُمْ بِهِ القَائِمَ عِنْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ J، فأذْعَنَ للحُجَّةِ بذلكَ وَرَدَّهُ الإيمَانُ إلى النَّصَفِ.

فرَكِبْتُمُ الأعَالِيلَ، وفَعَلْتُمُ الأفَاعِيلَ، وقُلْتُمْ كَانَ ويَكُونُ حتَّى أتَاكَ الأمْرُ يا مُعَاوِيَةُ مِنْ طَرِيقٍ كانَ قَصْدُهَا لغَيْرِكَ، فهُنَاكَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصَارِ.

وذَكَرْتَ قِيَادَةَ الرَّجُلِ القَوْمَ بعَهْدِ رَسُولِ اللهِ J وتَأْمِيرَهُ لَهُ، وقد كَانَ ذلكَ لعَمْرِو بنِ العَاصِ يَوْمَئِذٍ فَضِيلَةً بصُحْبَةِ الرَّسُولِ وببَعْثِهِ لَهُ([4])، ومَا صَارَ لعَمْرٍو يَوْمَئِذٍ حتَّى أنِفَ القَوْمُ إمْرَتَهُ، وكَرِهُوا تَقْدِيمَهُ وعَدُّوا عَلَيْهِ أفْعَالَهُ، فقَالَ J لا جَرَمَ يا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ لا يَعْمَلُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ اليَوْمِ غَيْرِي، فكَيْفَ تَحْتَجُّ بالمَنْسُوخِ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ في أوْكَدِ الأحْكَامِ وأوْلاهَا بالمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوَابِ؟ أمْ كَيْفَ ضَاهَيْتَ بصَاحِبٍ تَابِعًا، وحَوْلَكَ مَنْ يُؤْمَنُ في صُحْبَتِهِ، ويُعْتَمَدُ في دِينِهِ وقَرَابَتِهِ، وتَتَخَطَّاهُمْ إلى مُسْرِفٍ مَفْتُونٍ؟ تُرِيدُ أنْ تُلْبِسَ النَّاسَ شُبْهَةً يَسْعَدُ بِهَا البَاقِي في دُنْيَاهُ، وتَشْقَى بِهَا في آخِرَتِكَ، إنَّ هذا لهُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولَكُمْ).

وذَهِلَ مُعَاوِيَةُ مِنْ خِطَابِ الإمَامِ الحُسَيْنِ A، وضَاقَتْ علَيْهِ جَمِيعُ السُّبُلِ فقَالَ لابنِ عَبَّاسٍ: ما هذَا يا بْنَ عَبَّاسٍ؟ فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لعَمْرُ اللهِ إنَّهُ لذُرِّيَّةُ رَسُولِ اللهِ J، وأحَدُ أصْحَابِ الكِسَاءِ ومن أهْلِ البَيْتِ المُطَهَّرِ، فاسْأَلْهُ عمَّا تُرِيدُ فإنَّ لكَ في النَّاسِ مَقْنَعًا([5])، حتَّى يَحْكُمَ اللهُ بأمْرِهِ وهو خَيْرُ الحَاكِمِينَ([6]).

وقَدِ اتَّسَمَ مَوْقِفُ الإمَامِ الحُسَيْنِ A مع مُعَاوِيَةَ بالشِّدَّةِ والصَّرَامَةِ، وأخَذَ يَدْعُو المُسْلِمِينَ عَلَنًا إلى مُقَاوَمَةِ بَيْعَةِ يَزِيدَ، ويُحَذِّرُهُمْ مِنْ تِلْكَ السِّيَاسَاتِ الهَدَّامَةِ.

ثَانِيًا: مُحَاوَلَةُ جَمْعِ كَلِمَةِ الأُمَّةِ

بسَبَبِ مَوْقِفِ الإمَامِ الحُسَْيِن A مِنَ السِّيَاسَاتِ المُنْحَرِفَةِ لحُكَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ، أخَذَتِ الوُفُودُ تَتْرَى علَى الإمَامِ مِنْ جَمِيعِ الأقْطَارِ الإسْلامِيَّةِ، وهِيَ تَعِجُّ بالشَّكْوَى([7])، وتَسْتَغِيثُ بِهِ نَتِيجَةَ الظُّلْمِ والجَوْرِ الذي حَلَّ بِهَا، وتَطْلُبُ مِنْهُ القِيَامَ بإنْقَاذِهَا مِنَ الاضْطِهَادِ، ونَقَلَتِ الجَوَاسِيسُ في المَدِينَةِ إلى السُّلْطَةِ المَحَلِّيَّةِ أنْبَاءَ تَجَمُّعِ النَّاسِ واخْتِلافَهِمْ إلى الإمَامِ الحُسَيْنِ، وكانَ الوَالِي مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، ففَزِعَ مِنْ ذلكَ، وخَافَ مِنْ عَوَاقِبِهِ، فرَفَعَ مُذَكِّرَةً إلى مُعَاوِيَةَ جَاءَ فِيهَا: أمَّا بَعْدُ، فقَدْ كَثُرَ اخْتِلافُ النَّاسِ إلى الحُسَيْنِ، واللهِ إنِّي لأرَى لَكُمْ مِنْهُ يَوْمًا عَصِيبًا([8]).

واضْطَرَبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ تَحَرُّكِ الإمَامِ الحُسَيْنِ A، فكَتَبَ إلَيْهِ رِسَالَةً جَاءَ فِيهَا: أمَّا بَعْدُ، فقَدْ أُنْهِيَتْ إلَيَّ عَنْكَ أُمُورٌ، إنْ كَانَتْ حَقًّا فإنِّي لم أظُنُّهَا بِكَ رَغْبَةً عَنْهَا، وإنْ كَانَتْ بَاطِلَةً فأنْتَ أسْعَدُ النَّاسِ بمُجَانَبَتِهَا، وبِحَظِّ نَفْسِكَ تَبْدَأُ، وبِعَهْدِ اللهِ تُوفِي فَلا تَحْمِلْنِي علَى قَطِيعَتِكَ والإسَاءَةِ إلَيْكَ، فإنَّكَ مَتَى تُنْكِرُنِي أُنْكِرُكَ، ومَتَى تَكِدْنِي أَكِدْكَ، فاتَّقِ اللهَ يا حُسَيْنُ في شَقِّ عَصَا الأُمَّةِ، وأنْ تَرُدَّهُمْ في فِتْنَةٍ([9]).

ثَالِثًا: فَضْحُ جَرَائِمِ الحُكْمِ الأُمَوِيِّ

كَانَتِ الرِّسَالَةُ السَّابِقَةُ سَبَبًا في فَضْحِ الإمَامِ الحُسَيْنِ لِجَرَائِمِ الحُكْمِ الأُمَوِيِّ، حَيْثُ كَتَبَ A إلى مُعَاوِيَةَ مُذَكِّرَةً خَطِيرَةً رَدًّا علَى رِسَالَتِهِ يُحَمِّلُهُ فِيهَا مَسْؤُولِيَّاتِ جَمِيعِ مَا وَقَعَ في البِلادِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وفُقْدَانِ الأمْنِ، وتَعْرِيضِ الأُمَّةِ للأزَمَاتِ، وهو مَا يُعْرَفُ حَدِيثًا بالمَسْئُولِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ للحَاكِمِ.

وتُعَدُّ مِنْ أرْوَعِ الوَثَائِقِ الرَّسْمِيَّةِ التي حَفِلَتْ بذِكْرِ الأحْدَاثِ التي صَدَرَتْ مِنَ الحُكْمِ الأُمَوِيِّ، وهذا نَصُّهَا:

(أمَّا بَعْدُ، بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أنَّهُ انْتَهَتْ إلَيْكَ عَنِّي أُمُورٌ أنْتَ عَنْهَا رَاغِبٌ، وأنَا بِغَيْرِهَا عِنْدَكَ جَدِيرٌ، وإنَّ الحَسَنَاتِ لا يَهْدِى لهَا ولا يُسَدِّدُ إلَيْهَا إلاَّ اللهُ تعالى.

أمَّا ما ذَكَرْتَ أنَّهُ رُقِّي إلَيْكَ عَنِّي فإنَّهُ إنَّمَا رَقَّاهُ إليْكَ المَلاَّقُونَ المَشَّاؤُونَ بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الجَمْعِ، وكَذَبَ الغَاوُونَ، ما أرَدْتُ لكَ حَرْبًا ولا عَلَيْكَ خِلاَفًا([10])، وإنِّي لأخْشَى اللهَ في تَرْكِ ذلكَ مِنْكَ، ومِنَ الإعْذَارِ فِيهِ إلَيْكَ وإلى أوْلِيَائِكَ القَاسِطِينَ حِزْبِ الظَّلَمَةِ([11]).

ألَسْتَ القَاتِلَ حُجْرَ بنَ عَدِيٍّ أخَا كِنْدَةَ وأصْحَابَهُ المُصَلِّينَ العَابِدِينَ الذينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الظُّلْمَ، ويَسْتَعْظِمُونَ البِدَعَ، ويَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ولا يَخَافُونَ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ؟ قتَلْتَهُمْ ظُلْمًا وعُدْوَانًا مِنْ بَعْدِ ما أعْطَيْتَهُمُ الأيْمَانَ المُغَلَّظَةَ والمَوَاثِيقَ المُؤَكَّدَةَ، جُرْأَةً علَى اللهِ واسْتِخْفَافًا بعَهْدِهِ.

أوَلَسْتَ قَاتِلَ عَمْرَو بنَ الحَمِقِ الخُزَاعِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ J العَبْدَ الصَّالِحَ الذي أبْلَتْهُ العِبَادَةُ فنَحَلَ جِسْمُهُ واصْفَرَّ لَوْنُهُ؟ فقَتَلْتَهُ بعدَ أنْ أمَّنْتَهُ وأعْطَيْتَهُ ما لو فَهِمَتْهُ العُصْمُ([12]) لنَزَلَتْ مِنْ رُؤُوسِ الجِبَالِ.

أوَلَسْتَ بمُدَّعِي زِيَادَ ابنَ سُمَيَّةَ المَوْلُودَ علَى فِرَاشِ عُبَيْدِ ثَقِيفٍ، فزَعَمْتَ أنَّهُ ابنُ أبِيكَ؟ وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ J: (الوَلَدُ للفِرَاشِ وللعَاهِرِ الحَجَرُ) فتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ J تَعَمُّدًا، وتَبِعْتَ هَوَاكَ بغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ، ثُمَّ سَلَّطْتَهُ علَى أهْلِ الإسْلامِ يَقْتُلُهُمْ ويَقْطَعُ أيْدِيَهُمْ وأرْجُلَهُمْ، ويَسْمُلُ أعْيُنَهُمْ([13]) ويَصْلُبُهُمْ علَى جُذُوعِ النَّخْلِ، كأنَّكَ لَسْتَ مِنْ هذهِ الأُمَّةِ ولَيْسُوا مِنْكَ.

أوَلَسْتَ قَاتِلَ الحَضْرَمِيَّ الذي كَتَبَ فِيهِ إلَيْكَ زِيَادٌ أنَّهُ علَى دِينِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، فكَتَبْتَ إلَيْهِ أنِ اقْتُلْ كُلَّ مَنْ كانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ؟ فقَتَلَهُمْ ومَثَّلَ بِهِمْ بأمْرِكَ، ودِينُ عَلِيٍّ هُوَ دِينُ ابنِ عَمِّهِ J الذي أجْلَسَكَ مَجْلِسَكَ الذي أنْتَ فِيهِ، ولوْلاَ ذلكَ لكَانَ شَرَفُكَ وَشَرَفُ آبَائِكَ تَجَشُّمَ الرِّحْلَتَيْنِ([14]): رِحْلَةِ الشِّتَاءِ، ورِحْلَةِ الصَّيْفِ.

وقُلْتَ فِيمَا قُلْتَ: انْظُرْ لنَفْسِكَ ودِينِكَ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ J، واتَّقِ شَقَّ عَصَا هذهِ الأُمَّةِ، وأنْ تَرُدَّهُمْ إلى فِتْنَةٍ.

وإنِّي لا أعْلَمُ فِتْنَةً أعْظَمَ علَى هذهِ الأُمَّةِ مِنْ وِلايَتِكَ عَلَيْهَا، ولا أعْظَمَ لنَفْسِي ولِدِينِي ولأُمَّةِ مُحَمَّدٍ J أفْضَلَ مِنْ أنْ أُجَاهِرَكَ، فإنْ فَعَلْتُ فإنَّهُ قُرْبَةٌ إلى اللهِ، وإنْ تَرَكْتُهُ فإنِّي أسْتَغْفِرُ اللهَ لدِينِي، وأسْألُهُ تَوْفِيقَهُ لإرْشَادِ أمْرِي.

وقُلْتَ فِيمَا قُلْتَ: إنِّي إنْ أنْكَرْتُكَ تُنْكِرْنِي، وإنْ أكِدْكَ تَكِدْنِي، أيْ: تَخْدَعْنِي وتَمْكُرْ بِي.

فكِدْنِي ما بَدَا لكَ، فإنِّي أرْجُو أنْ لا يَضُرَّنِي كَيْدُكَ، وأنْ لا يَكُونَ علَى أحَدٍ أضَرَّ مِنْهُ علَى نَفْسِكَ، لأنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ جَهْلَكَ، وتَحَرَّصْتَ علَى نَقْضِ عَهْدِكَ، ولعَمْرِي ما وَفَيْتَ بشَرْطٍ، ولقد نَقَضْتَ َعَهْدَكَ بقَتْلِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ الذين قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ الصُّلْحِ والأيْمَانِ والعُهُودِ والمَوَاثِيقِ، فقَتَلْتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أن يَكُونُوا قَاتَلُوا أوْ قُتِلُوا، ولم تَفْعَلْ ذلكَ بِهِمْ إلاَّ لِذِكْرِهِمْ فَضْلِنَا، وتَعْظِيمِ حَقِّنَا، مَخَافَةَ أمْرٍ لعَلَّكَ إنْ لَمْ تَقْتُلْهُمْ مِتَّ قَبْلَ أنْ يَفْعَلُوا، أو مَاتُوا قَبْلَ أنْ يُدْرَكُوا.

فأبْشِرْ يا مُعَاوِيَةُ بالقَصَاصِ، واسْتَيْقِنْ بالحِسَابِ، واعْلَمْ أنَّ للهِ كِتَابًا لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلاَّ أحْصَاهَا، ولَيْسَ اللهُ بِنَاسٍ لأخْذِكَ بالظِّنَّةِ، وقَتْلِكَ أوْلِيَاءَهُ علَى التُّهَمِ، ونَفْيِكَ إيَّاهُمْ مِنْ دُورِهِمْ إلى دَارِ الغُرْبَةِ، وأخْذِكَ النَّاسَ بِبَيْعَةِ ابْنِكَ الغُلامِ الحَدَثِ، يَشْرَبُ الشَّرَابَ، ويَلْعَبُ بالكِلابِ، ما أرَاكَ إلاَّ قد خَسِرْتَ نَفْسَكَ، وبَتَرْتَ دِينَكَ، وغَشَشْتَ رَعِيَّتَكَ، وسَمِعْتَ مَقَالَةَ السَّفِيهِ الجَاهِلِ، وأخَفْتَ الوَرِعَ التَّقِيَّ)([15]).

في الحَقِيقَةِ لا تُوجَدُ وَثِيقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ في ذلكَ العَهْدِ عَرَضَتِ السُّلْطَةَ، وسَجَّلَتِ الجَرَائِمَ التي ارْتَكَبَهَا الحُكْمُ الأُمَوِيُّ مِثْلَ هذهِ الوَثِيقَةِ النَّادِرَةِ، وهِيَ صَرْخَةٌ في وَجْهِ الظُّلْمِ والاسْتِبْدَادِ تتَعَلَّمُ مِنْهَا الأجْيَالُ عَبْرَ التَّارِيخِ.

رابعًا: اسْتِعَادَةُ حَقٍّ مُضَيَّعٍ:

كانَ مُعَاوِيَةُ يُنْفِقُ أكْثَرَ أمْوَالِ الدَّوْلَةِ لتَدْعِيمِ مُلْكِهِ، كَمَا كانَ يَهَبُ الأمْوَالَ الطَّائِلَةَ لبَنِي أُمَيَّةَ لتَقْوِيَةِ مَرْكَزِهِمُ السِّيَاسِيِّ والاجْتِمَاعِيِّ، وكانَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A يَشْجُبُ هذهِ السِّيَاسَةَ، ويَرَى ضَرُورَةَ إنْقَاذِ الأمْوَالِ مِنْ نِظَامٍ يَقُومُ علَى القَمْعِ والتَّزْيِيفِِ والإغْرَاءِ.

ذَكَرَ ابنُ أبي الحَدِيدِ في شَرْحِ نَهْجِ البَلاغَةِ: أنَّ أمْوَالاً مِنَ اليَمَنِ اجْتَازَتِ المَدِينَةَ مُرْسَلَةً إلى خَزِينَةِ دِمَشْقَ، فعَمَدَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A إلى الاسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا، ووَزَّعَهَا علَى المُحْتَاجِينَ، وكَتَبَ إلى مُعَاوِيَةَ: (مِنَ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ إلى مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ، أمَّا بَعْدُ: فإنَّ عِيرًا مَرَّتْ بِنَا مِنَ اليَمَنِ تَحْمِلُ مَالاً وحُلَلاً وعَنْبَرًا وطِيبًا إلَيْكَ لتُودِعَهَا خَزَائِنَ دِمَشْقَ، وتَعِلَّ بِهَا بَعْدَ النَّهْلِ بَنِي أبِيكَ([16])، وإنِّي احْتَجْتُ إلَيْهَا فأخَذْتَهَا، والسَّلاَمُ).

فأجَابَ مُعَاوِيَةُ:

مِنْ عَبْدِ اللهِ مُعَاوِيَةَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ إلى الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ، أمَّا بَعْدُ:

فإنَّ كِتَابَكَ وَرَدَ عَلَىَّ تَذْكُرُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ بِكَ مِنَ اليَمَنِ تَحْمِلُ مَالاً وحُلَلاً وطِيبًا إليَّ، لأُودِعَهَا خَزَائِنَ دِمَشْقَ، وأعُلَّ بِهَا بَعْدَ النَّهْلِ بَنِي أبِي، وإنَّكَ احْتَجْتَ إلَيْهَا فأخَذْتَهَا، ولَمْ تَكُنْ جَدِيرًا بأخْذِهَا إذْ نَسَبْتَهَا إليَّ؛ لأنَّ الوَالِيَ أحَقُّ بالمَالِ، ثُمَّ عَلَيْهِ المَخْرَجُ مِنْهُ، وأيْمُ اللهِ لَوْ تَرَكْتَ ذَلِكَ حتَّى صَارَ إليَّ لَمْ أبْخَسْكَ حَظَّكَ مِنْهُ، ولكِنِّي قَدْ ظَنَنْتُ يا بْنَ أخِي أنَّ في رَأْسِكَ نَزْوَةً([17])، وبِوُدِّي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في زَمَانِي، فأعْرِفَ لَكَ قَدْرَكَ، وأتَجَاوَزَ عَنْ ذَلِكَ، ولكِنِّي أتَخَوَّفُ أنْ تُبْتَلَى بِمَنْ لا يُنْظِرُكَ فُوَاقَ نَاقَةٍ([18])([19]).

ونُلاحِظُ علَى هذَا المَوْقِفِ مَا يَلِي:

مَلْحُوظَاتٌ عَلَى المَوْقِفِ:

أوَّلاً: السَّبَبُ الذي دَعَا الإمَامَ الحُسَيْنَ A إلى هذا العَمَلِ أنَّ مُعَاوِيَةَ كانَ قد مَنَعَ عَطَاءَ أهْلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّ فِيهِمْ كَثِيرًا مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ المُعَارِضَةِ للحُكْمِ الأُمَوِيِّ، وقد أَجْبَرَهُمْ مُعَاوِيَةُ علَى بَيْعِ أمْلاكِهِمْ بأبْخَسِ الأثْمَانِ، واشْتَرَاهَا مِنْهُمْ، حتَّى نَالَتْهُمُ المَجَاعَةُ.

ثَانِيًا: دَلَّلَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A بعَمَلِهِ علَى أنْ لَيْسَ مِنْ حَقِّ نِظَامٍ فقَدَ شَرْعِيَّتَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في أمْوَالِ المُسْلِمِينَ، وأنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ، والحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ إمَامُ الوَقْتِ القَائِمُ علَى دَعْوَةِ إمَامِ الزَّمَانِ الذي يُنْفِقُ أمْوَالَ بَيْتِ المَالِ وَفْقَ المَعَايِيرِ الإسْلاَمِيَّةِ.

ثَالِثًا: أكَّدَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A في رِسَالَتِهِ علَى أنَّهُ لا يَعْتَرِفُ رَسْمِيًّا بِخِلاَفَةِ مُعَاوِيَةَ، إذْ لَمْ يَصِفْهُ بأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصِفُهُ الآخَرُونَ.

رَابِعًا: حَاوَلَ مُعَاوِيَةُ الالْتِفَافَ علَى مَوْقِفِ الإمَامِ الحُسَيْنِ فوَصَفَ نَفْسَهُ في رِسَالَتِهِ الجَوَابِيَّةِ بأمِيرِ المُؤْمِنِينَ، مُهَدِّدًا للإمَامِ الحُسَيْنِ بمَنْ يَكُونُ بَعْدَهُ في الحُكْمِ.

خَامِسًا: بَاتَ مَوْقِفُ الإمَامِ الحُسَيْنِ A مِعْيَارًا إسْلاَمِيًا، ومِلاَكًا فَارِقًا وفَاصِلاً بَيْنَ الصَّوَابِ والخَطَأِ للمُسْلِمِينَ جَمِيعًا علَى مَدَى التَّارِيخِ.

سَادِسًا: كانَ مَوْقِفُ الإمَامِ A هذا إشَارَةً وَاضِحَةً للاعْتِرَاضِ علَى تَصَرُّفَاتِ وحُكْمِ بَنِي أُمَيَّةَ، والمُطَالَبَةِ بِسِيَادَةِ الحَقِّ والعَدْلِ الإلَهِيِّ.

أمَّا المُحَاوَلَةُ الخَامِسَةُ للإمَامِ الحُسَيْنِ لإيقَاظِ الأُمَّةِ فَقَدْ تَمَثَّلَتْ في:

خَامِسًا: تَذْكِيرُ الأُمَّةِ بمَسْؤُولِيَّتِهَا:

عَقَدَ الإمَامُ الحُسَيْنُ A في مَكَّةَ مُؤْتَمَرًا سِيَاسِيًّا عَامًّا دَعَا فِيهِ جُمْهُورًا غَفِيرًا مِمَّنْ شَهِدَ مَوْسِمَ الحَجِّ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والتَّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ المُسْلِمِينَ، فانْبَرَى A خَطِيبًا فِيهِمْ، وتَحَدَّثَ عَمَّا ألَمَّ بِعِتْرَةِ النَّبِيِّ J وأتْبَاعِهِمْ مِنَ المِحَنِ والإحَنِ التي صَبَّهَا علَيْهِمُ الحُكْمُ الأُمَوِيُّ، وما اتَّخَذَهُ مِنَ الإجْرَاءَاتِ المُشَدَّدَةِ في إخْفَاءِ فَضَائِلِهِمْ، وسَتْرِ ما أُثِرَ عَنِ الرَّسُولِ J في حَقِّهِمْ، وألْزَمَ الحَاضِرِينَ بِإذَاعَةِ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وفِيمَا يَلِي مَا رَوَاهُ التَّابِعِي سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ([20]) في كِتَابِهِ– عن هذا المُؤْتَمَرِ – ونَصُّ خِطَابِ الإمَامِ A حَيْثُ قَالَ:

ولمَّا كانَ قَبْلَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بسَنَةٍ حَجَّ الحُسَيْنُ ابْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، فجَمَعَ الحُسَيْنُ بَنِي هَاشِمٍ ونِسَاءَهُمْ ومَوَالِيَهُمْ، ومَنْ حَجَّ مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُمُ الحُسَيْنُ وأهْلُ بَيْتِهِ، ثُمَّ أرْسَلَ رُسُلاً وقَالَ لَهُمْ: لا تَدَعُوا أحَدًا حَجَّ العَامَ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ J المَعْرُوفِينَ بالصَّلاَحِ والنُّسُكِ إلاَّ اجْمَعُوهُمْ لِي، فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ بِمِنًى أكْثَرُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ وهُمْ في سُرَادِقٍ، عَامَّتُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، ونَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ J، فقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:

(أمَّا بَعْدُ، فإنَّ هذَا – يَعْنِي مُعَاوِيَةَ – قَدْ فَعَلَ بِنَا وبِشِيعَتِنَا ما قد رَأيْتُمْ وعَلِمْتُمْ وشَهِدْتُمْ، وإنِّي أُرِيدُ أنْ أسْأَلَكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فإنْ صَدَقْتُ فصَدِّقُونِي، وإنْ كَذَبْتُ فكَذِّبُونِي، اسْمَعُوا مَقَالَتِي واكْتُمُوا قَوْلِي، ثُمَّ ارْجِعُوا إلى أمْصَارِكُمْ وقَبَائِلِكُمْ فمَنْ أمِنْتُمْ مِنَ النَّاسِ، ووَثِقْتُمْ بهِ فَادْعُوهُمْ إلى ما تَعْلَمُونَ، فإنِّي أخَافُ أنْ يَنْدَرِسَ هذا الحَقُّ ويَذْهَبَ، واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ).

قالَ الرَّاوِي: فمَا تَرَكَ الحُسَيْنُ شَيْئًا مِمَّا أنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ إلاَّ تَلاهُ وفَسَّرَهُ، ولا شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ J في أبِيهِ وأخِيهِ وأُمَّهِ وفي نَفْسِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ إلاَّ رَوَاهُ، وفي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ أصْحَابُهُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا وشَهِدْنَا، ومِمَّا نَاشَدَهُمْ A أنْ قَالَ:

(أَنْشُدُكُمُ اللهَ([21])، أتَعْلَمُونَ أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ كانَ أخَا رَسُولِ اللهِ حِينَ آخَى بَيْنَ أصْحَابِهِ فآخَى بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وقالَ: أنْتَ أخِي في الدُّنْيَا والآخِرَةِ؟) قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قَالَ: (أَنْشُدُكُمُ اللهَ، هَلْ تَعْلَمُون أنَّ رَسُولَ اللهِ J اشْتَرَى مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ ومَنَازِلِهِ، فَابْتَنَاهُ ثُمَّ ابْتَنَى فِيهِ عَشَرَةَ مَنَازِلَ، تِسْعَةً لَهُ، وجَعَلَ عَاشِرَهَا في وَسَطِهَا لأبِي، ثُمَّ سَدَّ كُلَّ بَابٍ شَارِعٍ إلى المَسْجِدِ غَيْرَ بَابِهِ؟ فتَكَلَّمَ في ذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ، فقَالَ: ما أنَا سَدَدْتُ أبْوَابَكُمْ وفَتَحْتُ بَابَهُ، ولَكِنَّ اللهَ أمَرَنِي بسَدِّ أبْوَابِكُمْ وفَتْحِ بَابِهِ، ثُمَّ نَهَى النَّاسَ أنْ يَنَامُوا في المَسْجِدِ غَيْرَهُ، وكانَ يَجْنُبُ في المَسْجِدِ ومَنْزِلُهُ في مَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ، فوُلِدَ لرَسُولِ اللهِ ولَهُ فِيهِ أوْلاَدٌ)، قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ([22]).

قالَ: (أفَتَعْلَمُونَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حَرَصَ علَى كُوَّةٍ([23]) قَدْرَ عَيْنِهِ يَدَعَهَا في مَنْزِلِهِ إلى المَسْجِدِ فأبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ خَطَبَ فقَالَ: إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أبْنِيَ مَسْجِدًا طَاهِرًا لا يَسْكُنُهُ غَيْرِي وغَيْرُ أخِي وبَنِيهِ؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ: (أَنْشُدُكُمُ اللهَ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أنْتَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وأنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ: (أَنْشُدُكُمُ اللهَ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J حِينَ دَعَا النَّصَارَى مِنْ أهْلِ نَجْرَانَ إلى المُبَاهَلَةِ، لم يَأْتِ إلاَّ بِهِ وبِصَاحِبَتِهِ وابْنَيْهِ؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قال: (أَنْشُدُكُمُ اللهَ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J دَفَعَ إلَيْهِ اللِّوَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: لأدْفَعَهُ إلى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللهُ ورَسُولُهُ ويُحِبُّ اللهَ ورَسُولَهُ، كَرَّارٍ غَيْرِ فَرَّارٍ، يَفْتَحُهَا اللهُ علَى يَدَيْهِ؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قال: (أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J بَعَثَهُ ببَرَاءَةَ، وقالَ: لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلاَّ أنَا ورَجُلٌ مِنِّي؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قال: (أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J لَمْ تَنْزِلْ بِهِ شِدَّةٌ قَطُّ إلاَّ قَدَّمَهُ لهَا ثِقَةً بِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَدْعُهُ باسْمِهِ قَطُّ، إلاَّ يَقُولُ: يا أخِي؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قال: (أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J قَضَى بَيْنَهُ وبَيْنَ جَعْفَرٍ وَزَيْدٍ فقَالَ: يا عَلِيُّ أنْتَ مِنِّي وأنَا مِنْكَ، وأنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ: (أتَعْلَمُونَ أنَّهُ كَانَتْ لهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ J كُلَّ يَوْمٍ خَلْوَةٌ، وكُلَّ لَيْلَةٍ دَخْلَةٌ، إذَا سَأَلَهُ أعْطَاهُ، وإذَا سَكَتَ أبْدَاهُ؟) قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ: (أفَتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J فَضَّلَهُ علَى جَعْفَرٍ وحَمْزَةَ حِينَ قالَ لفَاطِمَةَ B: زَوَّجْتُكِ خَيْرَ أهْلِ بَيْتِي، أقْدَمَهُمْ سِلْمًا، وأعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وأكْثَرَهُمْ عِلْمًا؟) قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ: (أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J قالَ: أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وأخِي عَلِيٌّ سَيِّدُ العَرَبِ، وفَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ ابْنَايَ سَيِّدَا شَبَابِ أهْلِ الجَنَّةِ؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ: (أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J أمَرَهُ بغُسْلِهِ، وأخْبَرَهُ أنَّ جِبْرِيلَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قال: (أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ J قَالَ في آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: أيُّهَا النَّاسُ إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وأهْلَ بَيْتِي، فتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا؟) قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قالَ الرَّاوِي: فلَمْ يَدَعْ A شَيْئًا أنْزَلَهُ اللهُ في عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ خَاصَّةً، وفي أهْلِ بَيْتِهِ مِنَ القُرْآنِ، ولا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ إلاَّ نَاشَدَهُمْ فِيهِ، فيَقُولُ الصَّحَابَةُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَاهُ، ويَقُولُ التَّابِعِيُّ: اللَّهُمَّ قَدْ حَدَّثَنِيهِ مَنْ أثِقُ بِهِ فُلانٌ وفُلانٌ.

ثُمَّ نَاشَدَهُمْ أنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوهُ J يَقُولُ: (مَنْ زَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّنِي ويَبْغُضُ عَلِيًّا فقَدْ كَذَبَ، لَيْسَ يُحِبُّنِي وهو يَبْغُضُ عَلِيًّا، فقَالَ لهُ قَائِلٌ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ذلكَ؟ قالَ: لأنَّهُ مِنِّي وأنَا مِنْهُ، مِنْ أحَبَّهُ فقَدْ أحَبَّنِي، ومَنْ أحَبَّنِي فقَدْ أحَبَّ اللهَ، ومَنْ أبْغَضَهُ فقَدْ أبْغَضَنِي، ومَنْ أبْغَضَنِي فقَدْ أبْغَضَ اللهَ؟)، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قد سَمِعْنَاهُ وتَفَرَّقُوا علَى ذَلِكَ.

لكن مُعَاوِيَةُ جَدَّ في أخْذِ البَيْعَةِ ليَزِيدَ، ولَمْ يُبَالِ بالمُعَارِضِينَ، ولم يَدَّخِرْ وُسْعًا في سَبِيلِ ذلكَ.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

=============================================

([1]) ينظر: موسوعة أعلام الهداية للمجمع العالمي لأهل البيت 5/115 – 125 بِتَصَرُّفٍ.

([2]) أي: فتنة الكلاب المقاتلة والتعرض لتهييجها.

([3]) المغنيات.

([4]) في سرية ذات السلاسل.

([5]) كفاية.

([6]) ينظر: حياة الإمام الحسين للشيخ باقر شريف القرشي 2/219 – 220.

([7]) أصبح الإمام هو قبلة الأمة وكعبتها التي تؤمها.

([8]) ينظر: حياة الإمام الحسين للشيخ باقر شريف القرشي 2/223.

([9]) ينظر: حياة الإمام الحسين للشيخ باقر شريف القرشي 2/224.

([10]) أهل البيت لا يطلبون سلطة ولا يدعون لفرقة.

([11]) أي: لأن الدين النصيحة.

([12]) حيوان أعصم: أي في ذراعيه أو أحدهما بياض وسائره أسود أو أحمر.

([13]) أي: يفقؤها.

([14]) التكلف على مشقة.

([15]) ينظر: حياة الإمام الحسين للشيخ باقر شريف القرشي 2/235، والإمامة والسياسة لابن قتيبة 1/284.

([16]) أي يأخذون المال مرة ثانية بعد أن أخذوه مرة أولى.

([17]) رغبة جامحة.

([18]) لا يمهلك مقدار حلب ناقة.

([19]) ينظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4/327 الطَّبْعَةُ الأُولَى.

([20]) ينظر: كتاب سليم بن قيس ص323، تَحْقِيقُ مُحَمَّدِ بَاقِرِ الأنْصَارِيِّ.

([21]) أي: أسألكم وأقسم عليكم أن ترفعوا صوتي، بأن تجيبوني وتلبُّوا دعوتي.

([22]) وهذا من مصاديق آية التطهير.

([23]) الخرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.