موتتان وحياة ورجوع (1)

موتتان وحياة ورجوع (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 19758 لاتعليقات

في سياق تفسير الإمام أبي العزائم للجزء الأول من: “أسرار القرآن”؛ ذكر أن الله سبحانه وتعالى بيَّن دلائل التوحيد لكل إنسان مهما كان عقله بالبراهين المحسوسة التي يطمئن بها الضمير المجرد من الهوى المُتَّبع والشح المُطاع والإعجاب بالرأي؛ بما أقامه سبحانه من الحجج الدامغة التي حصرها في برهان الإيجاد والإمداد…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

في سياق تفسير الإمام أبي العزائم للجزء الأول من: “أسرار القرآن”؛ ذكر أن الله سبحانه وتعالى بيَّن دلائل التوحيد لكل إنسان مهما كان عقله بالبراهين المحسوسة التي يطمئن بها الضمير المجرد من الهوى المُتَّبع والشح المُطاع والإعجاب بالرأي؛ بما أقامه سبحانه من الحجج الدامغة التي حصرها في برهان الإيجاد والإمداد، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ( “البقرة:21-22”.

ثم بين دلائل النبوة ناصعة جلية لكل نفس سليمة من مرض العناد وظلمة الكفر، قال سبحانه: )وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللََّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ( “البقرة:23-24”.

ثم أردفها بذكر الميعاد وما يفوز به المصدق من النجاة من هول يوم القيامة ونيل النعيم المقيم في دار الرضوان، قال تعالى: )وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( “البقرة:25”.

وبعد أن قامت الحجة واتضحت المحجة أنكر سبحانه على أهل النفوس الخبيثة عدم التصديق وأنكر مسارعتهم إلى الكفر والقطيعة عن الله تعالى، فقال جل شأنه: )كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( “البقرة:28”.

ينكر سبحانه وقوع الكفر الحاصل منهم بعد كل تلك الدلائل التي لو اتضحت للبهائم السائمة – وكان فيها قوة الفهم والتفاهم والنطق – لما وسعها إلا الإيمان بالله ورسوله J؛ والرهبة مما حذر منه؛ والرغبة فيما رغب فيه.

وكيف لا؟!؛ والبهائم السائمة تنفر كل النفور مما تعلم أنه يضرها, وتسرع إلى ما تعلم أنه ينفعها بقدر رتبتها في الحياة، وتميل بعاطفة إلى من يقدم لها ما ينفعها، وتنفر ممن يضرها، فمثل الكلب والشاة وغيرهما من الحيوانات الداجنة تألف المحسن إليها – الدَّاجنُ: كلُّ ما أَلِف البيوتَ وأَقام بها من حيوانٍ وطير -.

وهذا الإنسان الظلوم الجهول يرى بعينيه ويلمس بيده ويذوق بلسانه ويشم بأنفه ويسمع بأذنه نعمًا تفاض عليه من الله تعالى من غير واسطة ولا سبب قائم:

كالأرض المدحوة.

والنسيم العليل البليل الذي يصرفه الله في كل نفس لحياته.

والأمطار الهاطلة لخيره؛ والأنهار الجارية.

والكواكب المشرقة ليلا ونهارًا.

والجبال الراسية.

والأيدي العاملة.

وما لا يحصيه العادون ولا يحصره الحاسبون من النعم، وهذا الإنسان ينسى ربه وينكر فضله ويعبد غيره!.

فالله تعالى ينكر الأمر الواقع من أهل البعد.

ثم يتلطف سبحانه فيذكِّر الإنسانَ بما يدك الجبال الشامخات من قوة الحجة فيقول سبحانه: )وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا( كنتم نطفًا في ظهور آبائكم، وكنتم ترابًا قبل خلقكم بالنسبة لخلق آدم A، )فَأَحْيَاكُمْ( أي: جعلكم أحياء متمتعين بالسمع والبصر والذوق واللمس والحركة والقوة والإرادة.

وأردف هذه الآية بأخرى ترجف لها القلوب وتقشعر منها الجلود وهي قوله تعالى: )ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ( والإماتة الثانية: هي موتة عزرائيل A، والإحياء الثاني: في القبر للسؤال والحياة يوم القيامة.

ولك أن تقول: )ثُمَّ يُحْيِيكُمْ( في القبور للسؤال، أما حياة يوم القيامة فمعلومة من قوله سبحانه: )ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( أي: إلى يوم القيامة يوم الثواب والعقاب.

وفي قول الله تعالى: )كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ…( هذا الاستفهام ليس استفهامًا على بابه، وإنما هو إنكار لوقوع الكفر من قوم غمرهم الله بنعمه وآلائه، وثبت لديهم يقينًا حقًّا أنه سبحانه هو الذي منح تلك المواهب من غير علة ولا سبب ظاهر، ومقتضى تلك الحقائق الإيمان به والمسارعة إلى إطاعة أمره.

وقد يأتي الاستفهام لإنكار الوقوع كما في قوله تعالى: )كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِه( “التوبة:7″؛ أي: كيف يمكن أن يكون لهم عهد عند الله؟، ولكن هذه الآية تفيد إنكار وقوع الكفر منهم، وشتان بين إنكار وقوع عهد من الله للمشركين وإنكار الكفر الذي وقع منهم.

الحقُّ جل شأنه ذكر موتتين وحياتين

يقول الله تعالى في تلك الآية الكريمة: )وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ( فذكر جل شأنه موتتين وحياتين.

وقد ربط الطبري في تفسيره بين تلك الآية وبين قوله تعالى: )أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( ” غافر:11″.

فالله تعالى يقول: )قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ( “غافر:11”: والمعنى: قال الكافرون: ربنا أمتَّنا مرتين: حين كنا في بطون أمهاتنا نُطَفًا قبل نفخ الرُّوح, وحين انقضى أجلُنا في الحياة الدنيا, وأحييتنا مرتين: في دار الدنيا يوم وُلِدْنا, ويوم بُعِثنا من قبورنا, فنحن الآن نُقِرُّ بأخطائنا السابقة، فهل لنا من طريق نخرج به من النار, وتعيدنا به إلى الدنيا؛ لنعمل بطاعتك؟.

ولكن هيهات أن ينفعهم هذا الاعتراف.

وقيل: لما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: )قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا(.

وقيل: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، أي أنهم كانوا نطفًا لا أرواح فيها، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها، وإحياؤه إياها تعالى ذِكْرُه: نفخُه الأرواح فيها، وإماتتُه إياهم بعد ذلك: قبضُه أرواحهم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك: نفخُ الأرواح في أجسامهم يوم يُنفخ في الصّور ويبْعثُ الخلق للموعود.

ونقل عن ابن مسعود وعن ابن عباس 4: أن معنى قوله: )وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا( أمواتَ الذكر، خمولاً في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: )فَأَحْيَاكُمْ( بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، )ثُمَّ يُمِيتُكُمْ( بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، )ثُمَّ يُحْيِيكُمْ( بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك كما قال: )ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(؛ لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبلَ حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب.

ومن تفسير الرازي أن قوله تعالى: )كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله( وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعَم عليه، وذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الإحياء، فهذا هو المقصود الكلي.

فإن قيل: لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بـ )ثُمَّ(؟؛ قلنا: لأن الإحياء الأول قد يعقبه الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت – إن أريد به النشور – تراخيًا ظاهرًا.

في سر الحياة وسر الموت

يقول الشيخ العقاد – تلميذ الإمام أبي العزائم – في تفسيره لهذه الآية: … فالحق I يمن عليك بالحياة لتعرفه وتوحده، وما زال يذكِّرك بتوالي العطاء كأنها رسائل من جنابه تنبه قلبك لحضرته:

قال: )ثُمَّ يُمِيتُكُمْ( بعد استيفاء الأجل المقدر لكم في الحياة، والحق سبحانه وتعالى يمتن علينا بنعمة الموت فإنها براق سريع يوصلك بحبيبك، وينقلك من دار الحجاب إلى حضرة الشهود، فالكمال لا يصل إليه العبد إلا بحياة وموت.

وليس الموت هو العدم، ولكنه إسبال الستائر على الأكوان الدنيوية؛ ورفع البراقع عن الأسرار الملكوتية.

والحياة قوة إلهية لا تواجه جمادًا إلا أحيته، والموت قوة إلهية لا تقابل حظًّا وشهوة وطبعًا إلا أذهبته، فالحياة وجود، والموت وجود.

والحياة مراتب: فحياة البشرية: بالحس والحركة، وحياة القلوب: بالإيمان والمعرفة، وحياة الأرواح: بشهود وجه الله.

والموت له مراتب: موت الشهوات؛ والأطماع؛ والحظوظ، وهو السر في حياة الأولياء، فإنهم ماتوا عن حظهم وهواهم فأحياهم الله وكشف لهم أسرار البرزخ والمعاد، فمن أراد أن يحيا فليمت عن شهواته وحظوظه.

والموت إما بواسطة سيدنا عزرائيل؛ أو بلا واسطة؛ بل: بيمين الرحمن.

قوله: )ثُمَّ يُحْيِيكُمْ( ليشهدكم النشأة الثانية ويعرض عليكم مظاهر الحشر العجيبة حتى تشهدوا وسعته وقدرته ورحمته عين العِيان.

وقوله: )ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( يعني بعد أن تشهدوا المحشر وما فيه وتتجلى لكم مظاهر الجلال والجمال؛ تتم معرفتكم به فترجعون إليه، قال تعالى: )إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا( “يونس:4”.

وفي إشارة لابن عجيبة: كيف تنكرون ظهور نور الحق في الأكوان، وتبعدون عن حضرة الشهود والعيان، وقد كنتم أمواتًا بالغفلة وغم الحجاب، فأحياكم باليقظة والإياب، ثم يميتكم بالفناء عن شهود ما سواه، ثم يحييكم بالرجوع إلى شهود أثره بالله، ثم إليه ترجعون في كل شيء لشهود نوره في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وعند كل شيء “كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان”.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.