من أسرار ضرب المثل بالبعوضة في القرآن الكريم (2)

من أسرار ضرب المثل بالبعوضة في القرآن الكريم (2)

islam wattan . نشرت في المدونة 18111 لاتعليقات

يبين الإمام أبو العزائم في تفسيره لقوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا…( (البقرة: 26) أن ضرب المثل: اعتماده وصوغه، فيضرب لصوغه ويقيمه حجة، والمعنى: لا يستحيي أن يضرب أي مثل بأي حقيقة كانت (بَعُوضَةً) أصغر الحيوانات حكمًا وأقواها تأثيرًا…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

سر ضرب المثل بالبعوضة:

يبين الإمام أبو العزائم في تفسيره لقوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا…( (البقرة: 26) أن ضرب المثل: اعتماده وصوغه، فيضرب لصوغه ويقيمه حجة، والمعنى: لا يستحيي أن يضرب أي مثل بأي حقيقة كانت (بَعُوضَةً) أصغر الحيوانات حكمًا وأقواها تأثيرًا.

أو في ذكرها إشارة إلى أن بعض البعوض لا يُرى إلا بالمجهر لصغر جسمها، ومع ذلك فإن لها عينين وأذنين وأرجلاً وأيديًا وأعضاء باطنة كالمعدة والأمعاء والكليتين والقلب والطحال والكبد والمرارة والعظام والشرايين، وغير ذلك مما هو لأكبر حيوان، فسبحان من لا يعلم قدرَه غيرُه.

وهناك سر أغمض من هذا: هو أن تلك البعوضة الحقيرة لها خرطوم كخرطوم الفيل ينفذ في جلد الفيلة والكركدن التي تمنع الحديد أن ينفذ فيها إذا طعنت به، وبعض البعوض يقتل الفيلة بخرطومه الذي لا يراه الإنسان إلا بالمجهر، قال J: (الطاعونُ وَخْزُ إخوانِكم الجنّ)، فسمى هذا البعوض الجن؛ لأن العين المجردة لا تراه، والجن: هو ما اختفى عن النظر.

وهناك سر آخر وهو أن كل البعوض يمتص دم الحيوانات أو ينزل على القاذورات والعفونات، فيمتص حتى يمتلئ وينقلب ميتًا؛ كأهل الطمع في الدنيا.

وفوق ذلك سر وهو أن البعوض ينزل على العَذِرَة فيحملها، وينزل على وجوه المتكبرين ليريهم كذبهم وحقارتهم، وكأن الله تعالى يقول: إن البعوض مع خسته وحقارته يعلو وجوه أهل الكبر ولا يعتبرون.

والبعوضة مأخوذة من البعض وهو الشيء الصغير، وقوله تعالى: )فَمَا فَوْقَهَا( فيه اكتفاء بذكر ما فوقها عن ذكر ما دونها وهو ملحوظ في المعنى؛ ولك أن تقول: )فمَا فَوْقَهَا( من القلة أو من الضخامة.

بيان حال أهل الإيمان وحال الذين كفروا:

ثم بين الله تعالى حال أهل تصديق الله ورسوله J وضلال أهل العناد والكفر فقال سبحانه: )فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ( (البقرة: 26)، والمعنى: مهما يكن من أمثال يضربها الله تعالى لشيء حقير أو عظيم؛ فإن المؤمنين لما أطلعهم الله عليه من أسرار القرآن وبما كاشفهم به من بدائع إبداع صنعه في الكائنات؛ فهم يعلمون علم يقين أن تلك الحقائق المذكورة في القرآن وأن الأمثلة المضروبة فيه هي الحق الثابت في عينه.

)وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا( أي: كذبوا الله ورسوله J )فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثلا( (البقرة: 26) يعني أنهم يعجبون في أنفسهم الخبيثة التي لا تعقل عن الله الأمثال المبينة للحقائق التي عجز العقل عن إدراك غوامض أسرارها، ولا يمكن أن تشرق أنواره العقلية إلا لنفوس صيغت من أصفى الجواهر الرُّوحانية؛ لأن الأسرار التي هي فوق العقول لا يمكن أن يتذوق حلاوتها إلا من اصطفاهم الله وصبغهم بصبغة القبول، ولوَّنهم بلون عالم الأرواح العالية؛ قال تعالى: )صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً( (البقرة: 138).

العلماء قسمان:

يقول الذين كفروا – قبَّحهم اللهُ تعالى – ما ذكره الله جل شأنه في كتابه الكريم: )مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً( يعني: أي الحكمة يريد الله من ضرب هذا المثل؟، فرد الله مشنعًا عليهم وقصم ظهورهم بالحق مبينًا حقيقة التوحيد بقوله تعالى: )يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ( (البقرة: 26).

وهنا تأول بعض من لم تنكشف لهم مشاهد التوحيد العلية أن قوله: )يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا( من مقول الكفار خوفًا من نسبة الإضلال إلى الله تعالى.

وقد وضع الإمام أبو العزائم نبراسًا تنكشف به كل الحقائق التي وردت في القرآن وتنزعج منه العقول الكليلة.

يقول 0 في جوامع كلمه: الْعُلَمَاءُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ خَافَ مِنَ اللَّه، وَالآخَرُ خَافَ عَلَى اللَّهِ، فَالَّذِي خَافَ مِنَ اللَّهِ: هُمُ الْمُصْطَفَوْنَ أَهْلُ الْخَشْيَةِ وَالشُّهَدَاءُ، وَالَّذِي خَافَ عَلَى اللَّهِ: هُمْ أَهْلُ الْعُقُولِ الكَلِيلَةِ، وَشَتَّانَ بَينَهُمَا.

والقسم الذي خاف من الله: وقع به العلم على عين اليقين، حتى باشر الحق سويداء قلوبهم، وهم الذين عملوا بما علموا فعلمهم الله ما لم يكونوا يعلمون، بل هم الذين وهب لهم العقل الذي يعقل عن الله سر العلم المقدس على لسان العارف الربانيّ فسمعوا، فاقشعرت جلودهم بما سمعوا مما أنزل الله تعالى؛ ثم لانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله كما قال سبحانه: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ( (الزمر: 23).

والمعنى أن الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث؛ وهو القرآن العظيم، متشابهًا في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تُثَنَّى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، تقشعر من سماعه وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم؛ تأئرًا بما فيه مِن ترهيب ووعي، ثم تلين جلودهم وقلوبهم استبشارًا بما فيه من وعد وترغيب، إذا سمعوا القرآن وقوارعه وزواجره أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منه جلودهم، وإذا ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاءً، ورهبتهم رغبةً…

أما هؤلاء العلماء الذين يتأولون كلام الله تعالى تأويلاً يناسب عقولهم؛ فوضعوا أنفسهم موضع الخائف على الله تعالى من أن يلحقه نقص إذا سلموا له كلامه تسليمًا.

أهل المعرفة هم ورثة الصحابة والتابعين:

أما أهل المعرفة الذين كاشفهم الله تعالى بباطن القرآن فهم ورثة الصحابة والتابعين، وهم الذين منحهم الله الخشية منه بما علمهم، قال تعالى: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء( (فاطر: 28)، وهؤلاء هم الذين يسلمون بظاهر القرآن ويسلمون لله تعالى في كلامه تسليمًا لا يشوبه انزعاج من أي عبارة كانت، قال سيدنا عمر 0 في قوله تعالى: )يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ( (الفتح: 10): إنه I له يد لا كالأيدي.

فنزِّه أيها الطالب للعلم، وهو مذهب السلف الصالح.

وعلى ذلك فالواجب علينا أن نعلم حق العلم أن الله I خلق الخلق بعلم وتدبير، وقدرة وحكمة، وكتب لكل مخلوق من أي نوع من الأنواع كل الشئون التي تعتوره، قال تعالى: )مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ( (ق: 29).

القرآن الكريم كالبرزخ الذي ميز الله به بين مراتب النفوس:

خلق الله نفوسًا من أسفل سافلين؛ وغَيْرَها من سافلين، وخلق نفوسًا من عالين وعليين وأعلى عليين، فترى النفوس السافلة قبل بعثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تسارع إلى إهراق الدماء وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وتميل إلى التفرقة والعناد والشقاق، ولكن لا تنسب إلى هداية ولا إلى إضلال، حتى إذا بعث الله رسله نزعت بهم نفوسهم إلى معاندة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهم شر في الحقيقة ونفس الأمر.

فمعنى: )يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا( أن القرآن الكريم كالبرزخ الذي ميز الله به بين مراتب النفوس، فمن قَبِلَه وثابر على العمل به دل على أن نفسه ملكوتية تقبل عن الله تعالى ما نزله على نبيه J، أما من أبَى أن يقبل وأعرض عن رسول الله J وعاند وحارب؛ فقد أقام الحجة على نفسه أنها نفس إبليسية من سجين البعد والقطيعة.

فيضل به كثيرًا على قول العلماء: يرد به عن الجنة أو عن الدين أو عن الإيمان كثيرًا، لأنهم لم يقبلوا من رسول الله J ما جاءنا به من عند الله تعالى.

وإن كان الإضلال نُسب عمله إلى أنواع كثيرة: فنُسب إلى إبليس، ونُسب إلى بعض الأناسي، ونُسب إلى فرعون، وإلى موسى السامري، كما في قول الله تعالى: )وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا( (النساء: 60)، وقوله جل شأنه: )وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ( (المائدة: 77)، وقوله U: )وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى( (طه: 79)، وقوله تعالى: )قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ( (طه: 85) … فالإضلال في تلك الأخبار يراد به الحجب عن قبول الهدى من النبيّ J.

والواجب على من أسلم وجهه لله وأناب إليه سبحانه أن يؤمن بكل ما جاء به القرآن، ويعمل بما فهمه، ويكل ما لم يفهم إلى الله تعالى، متوجهًا بقلبه وقالبه إليه سبحانه، قال الله تعالى آمرًا سيدنا ومولانا محمدًا J: )وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا( (طه: 114)، وهذا رسول الله J فكيف بغيره؟!، وإنا نسأل الله تعالى السلامة من الفتن.

الفاسقون هم الذين يُضلهم اللهُ:

الله I يحكم حكما حقًّا بقوله: )وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ( (البقرة: 26)، والفاسق هو الخارج من الهدى إلى الضلال، وفي اللغة: فقست الدَّجاجة بيضها؛ أي: أخرجت فراخها، ويقال: فَسَقَتِ الرُّطبَةُ عن قِشْرِها؛ والفأرةُ عن جُحرها، فالخروج من الهدى فسق.

وللفسق مراتب كما يبين الشيخ العقاد في تفسيره:

الأولي: أن يرتكب العبد الذنوب ثم يستقبح العمل.

الثانية: أن يتعمق في الفسق حتى يستغرق أوقاته بدون لوم نفسه.

والثالثة: أن يتلذذ بالمعاصي ويستهين بالحدود ويستبيح المنكرات، وهذا هو الفسق الموجب للخلود في الجحيم وصاحبه كافر.

وكأنه يقول سبحانه: )وَمَا يُضِلُّ بِهِ( يعنى بالقرآن )إِلاَّ الْفَاسِقِينَ( الذين دعاهم الله تعالى إلى السعادتين: سعادتي الدنيا والآخرة على لسان سيدنا محمد J فأبوا أن يصدقوه، وليتهم تركوه وشأنه J، ولكنهم صدوا عن سبيل الله، واضطهدوا كل مسلم، وأخرجوه J من بلد أبيه وأمه مهاجرًا إلى دار الغربة، ولكن الله تعالى آواه وأيده ونصره، وخذلهم وأضل أعمالهم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.