مولانا جلال ‏الدين ‏الرومي.. فتنة العشق التي لا تنتهي ‏(1)‏

مولانا جلال ‏الدين ‏الرومي.. فتنة العشق التي لا تنتهي ‏(1)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 5586 1 تعليق

مدينة بلخ، حاضرة خراسان كما يذكر المؤرخون، مدينة ذات تاريخ ضارب في القدم والعمق والعراقة، هي مسقط رأس مولانا جلال الدين الرومي القطب الصوفي المفتتن عشقًا وشوقًا ومحبة..

الدكتور بليغ حمدي

بلخ.. المدينة الثقافية

مدينة بلخ، حاضرة خراسان كما يذكر المؤرخون، مدينة ذات تاريخ ضارب في القدم والعمق والعراقة، هي مسقط رأس مولانا جلال الدين الرومي القطب الصوفي المفتتن عشقًا وشوقًا ومحبة، وهي المدينة التي بالضرورة كانت رافدًا خصبًا ومهمًّا في تشكيل ثقافة وشخصية مولانا جلال الدين الرومي، فهي بلدة تعد ملتقى لشتى الثقافات والحضارات والرؤى الاجتماعية والدينية، وما كان عليها إلا أن تهضم كل تلك الثقافات فتنصهر بنكهة بلخ نفسها حتى لقبت بقبة الإسلام وأم البلاد، وظلت بلخ موطن أجلاء الشعراء والكتاب والمتصوفة قطعًا وأيضًا رجال الفقه الكبار، فمن هؤلاء الوزير نظام الملك والشاعر العبقري عمر الخيَّام، وشاعر المتصوفة العظيم فريد الدين العطار، والإمام القشيري.

ولعل مدينة بلخ كانت شاهدة انتصار التصوف الإسلامي، بل توهج الحركة الصوفية بما شهدته هذه الفترة التاريخية الخصبة من أعلام بارزين في التصوف وأهله ومريديه، والذي يدفعنا إلى تأويل الطرح الصوفي لمولانا جلال الدين الرومي اعتباره شخصية مرموقة في تاريخ الفكر الإنساني وليس التصوف فحسب؛ ذلك لأن البعد الإنساني يشكل الملمح الأبرز والأهم في مجمل إنتاج جلال الدين الرومي.

النشأة والتكوين

والكتب تحدثنا عن جلال الدين الرومي البلخي، البلخي نسبة إلى مدينة بلخ الخالدة التي تحدثنا عنها، والرومي نسبة إلى بلاد الروم التي تقع فيها مدينة قونية التي شهدت إشراقات جلال الدين الصوفية، ولا شك أن التنشئة الأسرية كانت أعظم الروافد التي نهل منها جلال الدين، لاسيما أبوه الذي كان من أعلم أهل زمانه، فكان فقيهًا حنفيًّا مشهورًا، بل وعرف في زمانه بلقب ” سلطان العلماء ” لما تميز به من علم وفقه وورع ودراية بالشئون الدينية آنذاك.  ولقد عاش بهاء الدين ولد أبو شيخنا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ حاضرة الثقافة مرتاحًا في عيشة هنية ميسورة، تمتع بعذوبة الحديث والتأثير في الحاضرين بمجالس العلم، وله كتاب يسمى ” المعارف ” وهو جملة من المباحث في علم الكلام والفقه والتصوف، ويغلب على شطرها الجانب العرفاني الروحي.

وهناك عدة أسباب دفعت بهاء الدين ولد إلى ترك مدينة بلخ، لعل أبرزها ما يجاهد المؤرخون فيه إلى محوه وزواله، وهو ما تعرض له بهاء الدين ولد من محنة جرّاء آرائه وأفكاره واختلافه مع فخر الدين الرازي الذي اعتاد مهاجمة الصوفية والتصوف، وهذا هو السبب الرئيس في هجرة بهاء الدين ولد مدينة بلخ إلى نيسابور ثم الري ثم بغداد، وأخيرًا إلى قونية حيث الاستقرار. فقد كان بهاء الدين ولد شديد الهجوم على العقلانية الفلسفية التي كان يمثلها فخر الدين الرازي، رغم أن الأخير في مصنفاته لم ينكر على الإطلاق كليات مسائل ومباحث التصوف الإسلامي. إذن لا بد من التركيز على أن المسائل العقدية والجدالات الدينية كانت سببًا رئيسًا ومهمًّا لترك بهاء الدين مدينة بلخ.

أما مولانا جلال الدين الرومي فقد تعلم على يد برهان الدين محقق الترمذي، والذي كان أحد مريدي والده بهاء الدين، وفي هذه الفترة وبتوجيه وإرشاد من برهان الدين معلم الشيخ جلال الدين سافر الأخير إلى مدينة حلب من أجل نهل المعرفة وتحصيل أكبر قدر من صنوف العلم، في الوقت التي كانت فيه حلب من مدن المعرفة الحقيقية قبيل أن نسمع منذ نهايات القرن العشرين عن هذا المسمى.

واكتسب جلال الدين في رحلته إلى حلب الفقه الحنفي الذي كان أبوه عالمًا به، وهناك حضر دروس الشيخ كمال الدين بن العديم، ثم سافر إلى مدينة دمشق والتي لقي بها سلطان العارفين الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي صاحب الفيض رغم أن كتب تاريخ التصوف لم تذكر الكثير عن مشاهد وأحداث هذا اللقاء الذي بالضرورة كان مؤثرًا في حياة مولانا جلال الدين الرومي.

ولادة جديدة

بعودة مولانا جلال الدين الرومي إلى قونية كانت حياته مألوفة عادية، حيث كان مدرسًا للفقه الحنفي، لكن هناك حادثة شهيرة هي التي دفعت الأقلام والعيون والأبصار والأفئدة تغدو وتروح صوب جلال الدين الرومي ومصنفاته حتى يومنا هذا، هذه الحادثة هي التقاؤه بشمس التبريزي المجذوب من مجاذيب العالم.

وشمس التبريزي من أولئك المتمردين المحرقين للعالم، ويبقى التساؤل المثير حائرًا في الإجابة عنه، وهو التساؤل الذي طرحه عطاء الدين تدين في كتابه عن الشخصيتين جلال الدين وشمس، لو أن شمسًا وجلال الدين لم يلق واحد منهما الآخر، كيف كان مصيرهما؟ هل كان سيوجد مولانا جلال الدين الرومي في التاريخ بهذه الخاصيات نفسها، ويكون لدينا شاعر مفكر متمرد حجم تمرد الإنسانية نفسها؟ ولو أن هذا اللقاء لم يحصل، هل كان سيبقى اسم شمس التبريزي حاضرًا بهذه القوة إلى يومنا الراهن؟.

وللحديث بقية إن شاء الله

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.