مِنْ ‏اِرْتِسَامَاتِ ‏التَّجْرِبَةِ ‏الصُّوفِيَّةِ ‏وَرُسُومِهَا ‏(1 /2)‏

مِنْ ‏اِرْتِسَامَاتِ ‏التَّجْرِبَةِ ‏الصُّوفِيَّةِ ‏وَرُسُومِهَا ‏(1 /2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4981 1 تعليق

يظل القرن الخامس الهجري يمثل عصر المصنفات الكبرى في تاريخ التصوف الإسلامي، وهي بالضرورة التاريخية حسب تأثيرها في عموم المسلمين تبدو تصنيفات فريدة من نوعها؛ لأن مفادها آنذاك تلخيص التجربة الصوفية وتوضيح حقيقتها من حيث كونها قطعًا من الحكمة وتجارة مربحة مع الله مستعملة في طريقها العبادة الخالصة وإلزام النفس بأوامر الله ونواهيه والحرص الشديد على الطاعات وتأديتها، هذا من ناحية…

الدكتور بليغ حمدي

مقدمة

يظل القرن الخامس الهجري يمثل عصر المصنفات الكبرى في تاريخ التصوف الإسلامي، وهي بالضرورة التاريخية حسب تأثيرها في عموم المسلمين تبدو تصنيفات فريدة من نوعها؛ لأن مفادها آنذاك تلخيص التجربة الصوفية وتوضيح حقيقتها من حيث كونها قطعًا من الحكمة وتجارة مربحة مع الله مستعملة في طريقها العبادة الخالصة وإلزام النفس بأوامر الله ونواهيه والحرص الشديد على الطاعات وتأديتها، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، شكلت هذه المصنفات ملمحًا مغايرًا لما كان عليه التصوف لا سيما في تجربة الحسين بن منصور الحلاج التي بدت مغايرة ومغالبة أيضًا لما كان هو سائد في التجارب الروحية. وربما فورة الصراع بين تجربة الحلاج التي تعد المرحلة الأخصب والأقوى والأشرس أيضًا في تاريخ التصوف مع حكم عقيدة أهل السنة والجماعة التي رأت في التجربة الصوفية ضربًا من الشك في العقيدة، هي التي دفعت رجالاً آخرين من أقطاب التصوف الإسلامي إلى تأليف تلك المصنفات التي تعزز الأسس والركائز الإسلامية الرصينة والعميقة للتجربة الصوفية.

وكما يشير المستشرق جوزيبي سكاتولين في كتابه القيم ” التجليات الروحية في الإسلام ” أن الغرض الرئيس من تلك المصنفات الصوفية هو الغرض التعليمي، ويؤكد أن هؤلاء الأقطاب أرادوا أن يصفوا أمام مريديهم السلوك الصوفي ومراحله المختلفة، ومنازله المتصاعدة ومخاطره المتعددة أيضًا، فضلاً عن أن هذه المصنفات تجد فيها وصفًا وافيًا وشاملاً للطريق الصوفي على مختلف أنواعه ومراحله.

أبرز مؤلفي المصنفات الصوفية في القرن الخامس الهجري

ولعل أبرز مؤلفي المصنفات الصوفية في هذا القرن الحكيم الترمذي الذي اعتمد على الموقف وطرح السؤال الذي بالضرورة يثير الدهشة ومن ثم اقتناص الوعي والانتباه والإدراك لدى المتلقي المريد، وهذا ما فعله أيضًا النفري في المواقف والمخاطبات، وإذا كان كتاب الحكيم الترمذي ” ختم الأولياء ” يعد مؤلفًا صوفيًّا للخاصة، فإن كتابه ” الرياضة وأدب النفس ” يستحيل من الكتابات الصوفية التي اعتمد فيها على أسس الدين الإسلامي الرئيسة من القرآن والسنة؛ لذا فهو مصنف صوفي لعموم الناس.

فلقد وجد التصوف نفسه في موقف المبرر والمدافع عن التهم التي وجهت للحسين بن منصور الحلاج واتهامه بالفسق ثم بالخروج على التقاليد والأعراف الدينية وأخيرًا بالكفر، فكانت ثمة ضرورة في توضيح موقف التصوف الذي لجأ إلى الاستناد على مصدري الشريعة القرآن والسنة الشريفة، فكانت كل النصوص والطروحات الصوفية لا تخرج عن المصدرين ورد كل فكرة وحال ومقام إليهما وهذا دفع الكثير إلى الاعتراف بأن التصوف لا يخرج عن الدين ولا عن القيم والأخلاق الإسلامية الرشيدة.

وسرعان ما تحول المهاجمون إلى منسجمين مع الطرح الصوفي انسجامًا تامًّا، وتستحضر تلك السطور ما قاله الإمام أبو الحسن الشاذلي: ” من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله J فهو بدعي”، وقوله: ” إذا لم يواظب الفقير على حضور الصلوات الخمس في جماعة فلا تعبأ به”. والإمام الجنيد يؤكد دومًا على الصلة الوثيقة والعلاقة المتينة بين التصوف والشريعة فقال: ” الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول J، واتبع سنته، ولزم طريقه “.

ومن أبرز المتصوفة المنتسبين لهذا العصر الذهبي في التصنيف والتأليف السراج الطوسي، الملقب بطاووس الفقراء، وتأتي ترجمته بموسوعة ” ويكيبيديا ” العالمية بأنه زاهد، كان شيخ الصوفية، على طريقة السنة. ملقب بطاووس الفقراء وتنقل بين بلاد كثيرة، منها: القاهرة، وبغداد، ودمشق، والرملة، ودمياط، والبصرة، وتبريز، ونيسابور. ويعد كتابه « اللمع في التصوف » بمثابة موسوعة في تاريخ التصوف الإسلامي وطبقات الصوفية وعلومهم ومصطلحاتهم وأقوالهم وأحوالهم.

ومشكلة السراج الطوسي هي قلة الأنباء والأخبار عنه، وأن المهمومين بتأريخ حركة التصوف الإسلامي لم يعيروه اهتمامًا يليق بمكانته وتصانيفه، بالرغم من أن المستشرقة الألمانية الكبيرة ” آنا ماري شميل ” ذكرت أن أول مرجع في التصوف الإسلامي يعرض بشكل متكامل الطريق الصوفي مع ذكر مصادر عديدة له هو كتاب اللمع، وهو كتاب جامع شامل للتصوف الذي قسمه إلى مائة وخمسين بابًا، اجتهد فيه أن يرصد ويصف رؤية الصوفية لمقام الوجد. وفيه يعرض الطوسي سبب تأليفه للمصنف فيقول: ” واعلم أن في زمننا هذا قد كثر الخائضون في علوم هذه الطائفة – يعني الصوفية –  وقد كثر أيضًا المتشبهون بأهل التصوف والمشيرون إليها، والمجيبون عنها وعن مسائلها، وكل واحد منهم يضيف إلى نفسه كتابًا قد زخرفه، وكلاما ألَّفه، وليس بمستحسن منهم ذلك؛ لأن الأوائل والمشايخ الذين تكلموا في هذه المسائل وأشاروا إلى هذه الإشارات ونطقوا بهذه الحكم إنما تكلموا بعد قطع العلائق وإماتة النفوس بالمجاهدات والرياضات والمنازلات والوجد والاحتراق والمبادرة والاشتياق إلى قطع كل علاقة قطعتهم عن الله عز وجل طرفة عين وقاموا بشرط العلم ثم عملوا به، ثم تحققوا في العمل فجمعوا بين العلم والحقيقة والعمل”.

ولمكانة الكاتب والكتاب يقول عنه المستشرق نيكلسون: ” ومن العجيب أن يغفل مؤلفو التصوف القديم شأنه، فلم يؤلفوا عنه أسفارًا تحوي لنا تاريخه وتراجمه وأحواله، مع أنه كان فريد عصره، راسخ القدم في علوم القوم، وشيخًا لمذهبهم في الزهد والتصوف، وكم كنت أتمنى لو سبق وجودي إلى عصره الذهبي أو الذي يليه لأترسم خطاه، وأتتبع آثاره وأخباره وأحواله، فأميط اللثام عن مستور لو كشف لعبق عبيره، وطيب شذا عرفه الأنام “.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.