نقل العلم والتكنولوجيا الحديثة ضرورة لمصر والعرب

نقل العلم والتكنولوجيا الحديثة ضرورة لمصر والعرب

islam wattan . نشرت في المدونة 5729 2 تعليقان

إذا كان من الحق علينا مرة أن نستفيد بجهود الغرب في الوقوف على تراث أجدادنا, فإن من الحق مائة مرة أن لا ندخر وسعًا في نقل آخر ما انتهى إليه العلم الحديث في مختلف فروعه وتطبيقاته، وهو ما شرعنا فى القيام به منذ عهد محمد علي, ولكن على الرغم من مرور قرنين من الزمان على هذا النقل فلا نزال دون الغاية بمراحل؛ ذلك أن ظروف مصر السياسية والاقتصادية قد اقتضت أن يظل التعليم فيها عقيمًا لأكثر من نصف قرن، والأمل كبير في استقرارها قريبًا إن شاء الله…

أ.د عبد الفتاح مصطفي غنيمة

مقدمة

إذا كان من الحق علينا مرة أن نستفيد بجهود الغرب في الوقوف على تراث أجدادنا, فإن من الحق مائة مرة أن لا ندخر وسعًا في نقل آخر ما انتهى إليه العلم الحديث في مختلف فروعه وتطبيقاته، وهو ما شرعنا فى القيام به منذ عهد محمد علي, ولكن على الرغم من مرور قرنين من الزمان على هذا النقل فلا نزال دون الغاية بمراحل؛ ذلك أن ظروف مصر السياسية والاقتصادية قد اقتضت أن يظل التعليم فيها عقيمًا لأكثر من نصف قرن، والأمل كبير في استقرارها قريبًا إن شاء الله.

 فلا يعطى للطلاب سوى ما يحفظونه بالذاكرة دون تفكير، ولا ينظر الطلاب للعلم الا كوسيلة للحصول على شهادة تخولهم الحصول على وظيفة من الوظائف وتعطيهم حق التباهي عند الزواج والنسب، فإذا تحقق غرضهم أعرضوا عن العلم وتنكروا له، ولم يحتفظوا في ذاكرتهم منه إلا بالقدر الذي يحفظ عليهم وظائفهم.

وهذا ما جعل مصر حتى الآن وبعد هذا الزمن الطويل لا تزال في أول الطريق للأخذ بالعلم والتكنولوجيا، وإن كنا قد استكملنا العناصر التي تمكنا – بشيء من العزم والإرادة والجدية – أن نقطع الشوط الذى قطعته أوربا، وأن نبلغ نهايته بعد أن صارت لدينا الجامعات ومراكز البحث النوعية والمعاهد العلمية الكبرى وعلماء في كل التخصصات تكفي أفريقيا بأكملها، والتي يمكن للعلم أن يزدهر بين ربوعها ويؤتى ثماره الناضجة، وأهم ما ينبغي علينا القيام به فورًا هو أن ننقل إلى لغتنا مختلف دوائر المعارف الأوربية والأمريكية العامة والخاصة، وأعني بالعامة هذه التي تتعرض للعلوم البحتة والتطبيقية والفنون والصناعات وشتى المعارف على سبيل الإجمال، والخاصة هي التي وضعت لكل علم ومادة على حدة: كدوائر المعارف الخاصة بالصناعة، أو الخاصة بالكهرباء والالكترونيات والذرة، أو الفضاء والهندسة الوراثية والبيوتكنولوجيا، فهذه الموسوعات الفنية يجب أن تترجم بنصها إلى لغتنا العربية الجميلة ليكون في متناول كل ناطق بالضاد هذا البحر الزاخر من العلوم والفنون، ولكي نكون على ثقة أنه قد صار في أيدينا كل ما لدى شعوب العالم المتقدم فنستطيع بعد ذلك أن نعلو ببنائنا، وأن نهيئ الطريق لمستقبلنا العلمي المجيد، وأن نهيئ للأبناء والأحفاد عتبات التقدم.

والصناعات الثقيلة والكيميائية والدوائية هي أول ما يجب أن ينقل إلى بلادنا، علمًا وعملاً لنحقق لأنفسنا ما نريد من الرقي العلمي، فضلاً عن الرقي المادي والسياسي، فليس هناك ما تنشط له جميع قوى الذهن وملكاته غير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، ولن يستطيع شعب بغير صناعة أن يكون على درجة رفيعة من العلم؛ لأن الصناعة بطبيعتها هي فن تحويل المادة، هي اصطناع شيء من شيء آخر، هي قوة الخلق والإبداع، والعقل المبدع المبتكر هو وحده الذي يستطيع أن يفكر وأن يخترع وأن يكتشف وأن يرقى ويتطور ويصل إلى أعلى مراتب الكمال.

وهناك علوم لا يمكن فصلها اليوم عن تطبيقاتها كعلوم الكهرباء والإلكترونيات لاسيما الدوائر المتكاملة للكمبيوتر والتلفزيون والفيديو والأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد والتيروسكوبات والتلسكوبات الإلكترونية وغير ذلك، فهي لا تدرس بصورة مجدية إلا في مصانع منتجاتها، والمصانع الحديثة اليوم هي معاهد علمية كاملة لخدمة العلوم والفنون التي تقوم عليها، وما من مصنع إلا وقد ألحق به معمل للاختبارات والبحوث التي تعمل من أجل المستقبل، وما من معمل من معامل العلماء إلا وهو في حقيقته مصنع من المصانع، لما يضم من آلات وورش وما يخرجه من منتجات فلا مناص من نقل الصناعات الحديثة برمتها، صناعات الكيمياء والأسمدة وصناعات البترول ومشتقاته البتروكيماوية وصناعات الدواء والفولاذ والكهرباء والإليكترونيات، لا لاختبار ثمرات العلم التطبيقية فحسب، ولكن ليخرج من بين جدرانها العلماء والمخترعون والمكتشفون ونحقق ما حققه أجدادنا في الحضارة العربية الإسلامية.

ولن نكون محبين للعلم وتطبيقاته, وطلابًا حقيقيين للمعرفة, إلا إذا عرفنا كيف نطلق للعلماء حرية التفكير العلمى ولا نحيطهم بقيود أو شروط، ولا نضع في سبيلهم العقبات المادية أو المعنوية فلا يضطهد أى عالم لرأى يسوقه، أو نظرية جديدة يبديها وإنما نتقبل بصدر رحب كل رأي وكل فكر وكل قول أدى إليه البحث العلمي النزيه، وهذه الحرية العلمية هي الشرط الأساس لتطور العلم وتطبيقاته.

ولا يزال في بلادنا أقوام يقومون ويقعدون لكل رأي يخالف آراءهم ومعتقداتهم، وينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ لأن كاتبًا من الكتاب قد قال كذا وكذا مما لا يتفق مع ما يعتقدون، وأن كتابًا من الكتب يحتوي طعنًا على آراء ونظريات بشرية، ومع ذلك فهو يوزع على الطلبة الجامعيين إلى آخر هذه الضجات والثورات التي تقوم من حين لآخر في بلادنا، والتي إن دلت على شيء فعلى فقدان الثقة بالنفس، وأن سحب الجهل والجمود لا تزال تخيم على البلاد وأن بنيتها ونفسيتها لا تزالان مريضتين. إن الحقائق الثابتة هي التي لا يؤثر عليها النقد، ولا تنال منها المعارضة ولا تجرحها المناقشة، ولكن ذلك كله يجلوها ويزيدها رسوخًا وثباتًا، والواقع أن الحقيقة العلمية تنبثق من جوف الظلام كعمود من النور، ولا يمكن أن يحجبها حجاب أبدًا، وما العلم إلا نور الله في الأرض، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المبطلون، وليطمئن إذن المؤمنون لعقائدهم والواثقون بمعارفهم إلى ما يعتقدونه ويثقون به، وليقبلوا على كل رأي، وليسمعوا كل قول، وليخوضوا في كل بحث منكرًا وغريبًا، فان كل الحق بأيديهم فلن يزيدهم الباطل إلا يقينًا، وإن كان الحق مع معارضيهم فالفضل كل الفضل في الرجوع إلى الحق، وهذا هو السبيل لازدهار العلم ونموه وتطوره، وبغيره يموت العلم ويسود الجهل؛ لأن العلم ثمرة الآراء المتعارضة، والأفكار حتى ولو كانت خاطئة وتخالف الحقيقة إلا ولها أثر في الوصول إلى الحقيقة، فالقول بأن الأرض كروية، والقول بأن الشمس تدور حول الأرض كان هو نقطة البدء لمن أثبت أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، ذلك أن العقل في حاجة دائمًا إلى أساس يبدأ منه بحثه، وعندما توصل العلماء إلى تفاصيل عملية التمثيل الكلورفيلى في عالم النبات.. وكيف يكوِّن النبات مواده من أكاسيد الكربون والماء والطاقة الشمسية.. بدأ الإنسان يفكر كيف يستفيد من هذه الطاقة الشمسية في حياته وكيف يسخر القليل منها لتوليد الطاقة، فإذا كان هذا الأساس خاطئًا فإنه لا يلبث أن يكتشف خطأه واكتشاف الخطأ يهدي إلى الصواب حتمًا.

وكم من الحقائق العلمية والاكتشافات والابتكارات لم تأخذ طريقها إلى الحياة إلا في أثناء الرد على بعض المخالفين وتمحيص بعض النظريات الخاطئة، كم من عالم هرع إلى معلمه ليثبت فساد نظرية جديدة، فإذا به يخرج على الدنيا بكشف فريد، ولولا النظرية الفاسدة لما طلع على الدنيا هذا الكشف الجديد.

ويجب أن تبلغ الحرية العلمية أوجها بين جدران الجامعات ومراكز البحوث المتخصصة والمجامع والمعاهد العلمية، فإذا جاز في بعض الظروف والأحوال النادرة لسلام الأمة وأمن الدولة أن يحال بين بعض الآراء وبين أن تذاع على جمهور الشعب غير المستعد لسماعها وأن يروج لها، أقول إن جاز ذلك في بعض الأحيان والتجأ إليه بعض الحكام، فإن ما لا يجوز بحال من الأحوال وما يعتبر جناية على العلم ما بعدها جناية هو أن يتعرض لحرية الجامعة العلمية، ولما يقول به أساتذتها بين جدرانها من آراء ونظريات. والجامعة التي تضع على العلماء والأساتذة بها أي قيد من القيود على تفكيرهم ونظرياتهم العلمية، هي جامعة لا تستحق هذا الاسم وأخلق بها أن لا تسمى جامعة ولا معهدًا من معاهد العلم العالي، حيث تنمو المعارف البشرية وتزدهر وتترعرع من أجل الجميع… من أجل مصر والعرب.

 

 

تعقيب من موقعك.

التعليقات (2)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    هل هذا الدعاء الجليل يصلح لاي وقت آخر غير ليلة النصف من شعبان اجيبونا اثابكم الله خيرا

    رد

  • ايمان محمد جويلي

    |

    فعلا الصيام هو صلاح الجسد وتنقيته من السمرم وله فوائد اخري عديدة فمابالك للروح سبحان الله نحند الله باننا مسلمون وان الله من علينا بهذه النعم …وعرفنا مولانا الامام ابو العزائم بارك الله فيه وفي الخليفة القائم

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.