وجوب السعي للرجل الحي الممنوح (3)

وجوب السعي للرجل الحي الممنوح (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 9118 لاتعليقات

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- نرجو من سماحتكم التكرم ببيان أهمية البحث عن الرجل الحي، والواجب عند وجوده على أهل الطريق، وما هي الخصوصيات التي يخفيها ليجمع القلوب؟، وكيف تكون صحبته؟ وما هي منزلته في العلم؟…

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم 

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- نرجو من سماحتكم التكرم ببيان أهمية البحث عن الرجل الحي، والواجب عند وجوده على أهل الطريق، وما هي الخصوصيات التي يخفيها ليجمع القلوب؟، وكيف تكون صحبته؟ وما هي منزلته في العلم؟.

فأجاب سماحته قائلاً:

معرفة الرجل الحي الممنوح بقدر مواهبه وخصوصياته

من الناس من ينكر الخصوصية؛ لأن الذي مُنحها كان صغيرًا في أعينهم، أو كان فقيرًا، أو كان من أهله، أو كان من أهل المعاصي والكبائر، أو كان جاهلاً. ويجهل هذا المسكين أن هذا الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، قال تعالى: )وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ( (الحديد: 29)، وأن هذا الفضل لو أنه لا يعطى إلا للعظماء أو للعلماء أو للأتقياء أو للأمراء لم يكن فضلاً بل أجرًا. فتنبه أيها الأخ الصالح، واعرف الرجال بقدر المواهب والخصوصيات، ولا تنظر إلى ما كانوا عليه قبل الخصوصية، واعتبر بما تشهده في عالم الكون والفساد، فإنك ترى الرجل في صبيحة اليوم من العامة فلا يأتي المساء إلا وهو ملك أو وزير أو أمير، فتبادر إليه متملقًا معظمًا مبجلاً، ناسيًا ما كان عليه في هذا الصباح، فهل من يجعل الفقير من العامة ملكًا يعجز أن يجعل آخر وليًّا من أوليائه أو يخصه بفضله؟!.

عدم الإنكار على مواهب وخصوصيات الرجل الحي الممنوح

بعض أهل الجهالة – ممن حرموا الخصوصية – ينكرون على الرجال الممنوحين من الله تعالى خصوصيتهم، ولو أنهم سلكوا طريق الرجال مخلصين لله لمنحوا خصوصيتهم، فإن ذلك الفضل هو فضل الله تعالى، ومفتاحه التسليم، وبابه الاقتداء بالعارفين، ومتى فتح الباب فاز المسلم. ولكنهم ابتلاهم الله بالجدل، ورأوا – لسخافة عقولهم وخبث أنفسهم وعماء قلوبهم – أنه من المستحيل أن يكون لله فضل عظيم يختص به من يشاء من عباده، وكيف يرى النـور من عميت عيناه؟! أو يسمع الذكر من صمت أذناه؟! قال تعالى: )مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ( (الكهف: 17).

فيا أخي – منحك الله التسليم – إن أسرار الخصوصيات وأنوار العنايات من علوم النفس ومشاهد الروح، وهل إذا كان الجسد مريضًا يمكنه أن يقوم بعمل من الأعمال البسيطة؟!.هل تتصور أن رجلاً ضعيف الجسد مع جماعة ضعفاء الأجسام مثله، في دار لم يخرجوا منها أبدًا، لم يشتغل الرجل منهم إلا بحمل اللقمة إلى فمه وقدح الماء، جاءهم آخر فأخبرهم أن رجلاً ركب على جواد وطبق رجليه على أضلاعه فقتله، وأن آخر هجم على سبع حتى قبض عليه وشقه نصفين من فمه، وأن آخر حمل حجرًا بيديه ثقله عشرة قناطير، هل تقع تلك الأخبار من قلوبهم موقع التصديق؟! لا يصدقون لضعف أبدانهم، ولأنهم لم يشهدوا هذا المشهد بأنفسهم، فهم يعتقدون أن جميع بني آدم أمثالهم، وإنما يحصل اليقين بأحد أمرين: إما أن يصدقوا المخبر في خبره، ويطلبوا منه أن يبين لهم الطريق التي يسلكونها ليروا تلك المشاهد الجميلة.. وإما أن يعتقدوا بأنه صادق ويتيقنوا بحصول تلك الحوادث؛ لأن الذي أوجدهم قادر على أن يوجد أقوى منهم وأقدر على عمل تلك الأعمال، وبهذا اليقين لا يحتاجون إلى مشاهدة تلك الحوادث، وهو الإيمان بالغيب وبه الفلاح والسعادة والفوز. وبدون هذين السببين فإنهم يكذبون المخبر، فينتج من تكذيبهم جهلهم بالبديع الصانع وجهلهم بأنفسهم، ويكونون من المبعدين المحجوبين المحرومين. هذا مثال يعقله العالم، كذلك أهل أسرار الله تعالى لا ينبغي لك – يا أخي – أن تنكر عليهم وتجادلهم وتكذبهم ثم تنال منهم شيئًا؛ لأن هذا السر ليس محسوسًا للجوارح، وليس في الحس مثال له يمكن أن يصوره لك فتتخيله، ولا سبيل إلى نوال الفوز به إلا بتصديق المخبر والتسليم له ما دام لم يخرج عن الكتاب والسنة وفهمهما، والاستنباط منهما، والاستئناس بأعمال وأحوال وأقوال الأئمة أهل الفقه في الديـن والعلم بالله.

صحبة الرجل الحي الممنوح

إخواني – روَّحني الله وإياكم بريحان المعرفة، وناولني وإياكم راح الاجتباء – كل واحد منا يسعى لينجو من عذاب يوم القيامة، ويفوز بالنجاة من هولها، ويحظى بالنعيم المقيم والروح والريحان، ويسبح في فسيح الجنات. اعلموا أن الصحبة للرجل وبذل الأموال والأنفس وتصريفه في أنفسنا لننال تلك النعمة، ونفوز بالرضوان الأكبر بما نناله منه من المعرفة وعلوم اليقين، وكشف أسرار الآيات، وفهم معاني الصفات، ومشاهدة جمالات الملكوت الأعلى، والسير على الصراط المستقيم والمنهج القويم. فعلى كل واحد منا جماعة المسلمين أن نهتم في البحث عن الرجل الذي ننجو باتباعه، ونسعد بصحبته ونفوز بخدمته، ونتجمل بأخلاقه، ونتحلى بأعماله، ونتحقق بعلومه، ونتمكن بأسراره، فإذا ظفرنا به هانت علينا الدنيا وما فيها ومن فيها، وكنا بصحبته كأننا مع الله ورسوله، هذا الرجل هو متمنى المؤمنين، وبغية المحسنين، ومقصد الموقنين، تشتاق إليه القلوب، وتحن إليه النفوس الزكية، وتسأل الله في كـل وقت أن تلقاه.

الرجل الحي الممنوح مدينة العلم

يا إخواني: أنا أخوكم المسلم، وكلنا والحمد لله نشعر من أنفسنا ونحس من قلوبنا بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله، وبكمال التصديق لله ورسوله، وبالرغبة الحقيقية في نوال السعادة الأبدية والفوز بالنعيم المقيم، وما منا واحد إلا ويسأل الله في أوقاته السلامة من عذاب النار والفوز بالجنة، ويعتقد أنه سالك طريق النجاة وسبيل الله، يصلي لذلك، ويحج لذلك، ويصوم لذلك، ويزور ويبذل ويجالس في ذلك، وليس أحد منا يعلم أنه على باطل ويدوم عليه، أو أنه على شرك خفي ويرضى به، أو أن هذا الطريق الذي يمشي فيه يوصله إلى النار ويمشي عليه، كلنا ذلك الرجل.

وإن الطريق المستقيم يا إخوانى واحد لا يتعدد وإن تعددت أنواع السير عليه سرعةً وبطئـًا وتأنيًا وإقبالاً. والسالكون عليه وإن تفاوتت هممهم وتنوعت عزائمهم، إلا أنهم لا خلاف بينهم؛ لأنهم كلهم على اعتقاد واحد، ورأي واحد، ومذهب واحد، سارعوا إلى وجهة واحدة، وتعاونوا على مقصد واحد، وتنافسوا في مراد واحد. إنما الخلاف بينهم أن هذا على الطريق الحق إلا أنه توسط وعمل بالقلب والجسم بحالة وسط، وأخوه معه على الطريق الحق إلا أنه عمل الواجب البدني ووقف عنده وزاد في عمل القلوب على الواجب القلبي، والآخر على الطريق الحق إلا أنه يجاهد نفسه ليتخلى، وأخوه معه إلا أنه ينافس ليتحلى. والكل في حيطة واحدة وهي المدينة التي أشار إليها o بقوله: (الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)([i]). وتلك الأنواع التي تظهر – لمن لم يذق حلاوة الطريق – أنها مختلفة هي ليست مختلفة، وقد أشار الله I بقوله: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا( (العنكبون: 69)، وإنما هي أنواع قربات وحقائق معان، يصير بها السالك عبدًا متجملاً بما به يفوز بالوصول إلى المقصود، وبالحظوة بالمحبوب، وكلهم مقتدون بالرجل المرشد الحي، حجة ذلك ما كان عليه أصحاب رسول الله o من تفاوت الهمم، وتباين العزائم، وتفاوتهم في فهم كلام الله وكلام رسوله، وعمل كل واحد منهم بقدر ما فقه، فكان منهم التارك للأسباب والمتسبب، ومنهم.. ومنهم.. ومنهم.. مما لا يخفى على مطلع.

([i]) صحيح مسلم 4/113 كتاب الحج.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.