وسائل نيل المجد الإسلامي (14)

وسائل نيل المجد الإسلامي (14)

islam wattan . نشرت في المدونة 1820 1 تعليق

عرَّف العلماء الإنسان بأنه حيوان ديني بالطبع؛ لأنه هو النوع الذي خلقه الله لعمارة الكون، ولينتفع بما خلقه سبحانه في عالم ملكه وملكوته، ولنيل تلك الكمالات التي يجب أن يتعاون الإنسان بكل أفراد نوعه، ليقوم له كل واحد منهم بحاجته، إذ لا يمكنه أن يقوم لنفسه بكل ضرورياته فضلاً عن كمالياته.

لذلك كان ولا بد للإنسان من قوة قاهرة تدفع عنه الظلم والتظالم عن المعاملات، تلك القوة إما أن تكون بقانون وضعي مجرد عن الصبغة الدينية تنفذه الحكومة، وأنواع الحكومات كثيرة جدًّا، وكلها لم يصل بها الإنسان إلى كماله المنشود له في الدنيا والآخرة.

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

الوسيلة الثالثة لنيل المجد الإسلامي:

عودة الخلافة الإسلامية الخلافة حصن المسلمين:

عرَّف العلماء الإنسان بأنه حيوان ديني بالطبع؛ لأنه هو النوع الذي خلقه الله لعمارة الكون، ولينتفع بما خلقه سبحانه في عالم ملكه وملكوته، ولنيل تلك الكمالات التي يجب أن يتعاون الإنسان بكل أفراد نوعه، ليقوم له كل واحد منهم بحاجته، إذ لا يمكنه أن يقوم لنفسه بكل ضرورياته فضلاً عن كمالياته.

لذلك كان ولا بد للإنسان من قوة قاهرة تدفع عنه الظلم والتظالم عن المعاملات، تلك القوة إما أن تكون بقانون وضعي مجرد عن الصبغة الدينية تنفذه الحكومة، وأنواع الحكومات كثيرة جدًّا، وكلها لم يصل بها الإنسان إلى كماله المنشود له في الدنيا والآخرة.

أما الحكومة التي تحكم على الجسم والروح فهي الحكومة الدينية، وكلُّ نبي من الأنبياء الذين سبقوا أتى بمقدار من الأحكام يناسب زمنه، حتى أتم الله الرسالة وختمها برسوله وحبيبه سيدنا محمد J، كمَّل الله للناس الدين الذي به يكونون في الدنيا كأنهم في الآخرة، إذا هم حافظوا على العمل به؛ لأن كل فرد من المسلمين يؤثر أخاه بالخير والرحمة والمساعدة، يحسن إليه إذا أساء، ويصله إذا قطعه، ويعطيه إذا حرمه، وبذلك يكون كل مسلم كعضو عامل في جسد المجتمع الإنساني.

جمع القرآن ما به خير النفس والعقل والحس والجسم، فحكم على الروح حتى قامت للجسم بما يجب عليها له، وحكم على الجسم حتى فطر على طاعة الروح والاتحاد بها، وعلى المسارعة إلى تنفيذ ما تحبه الروح وترضاه، وبذلك صار المسلمون يمثلون الجسد الواحد في تعاطفهم وتوادهم.

والمسلمون إذا حافظوا على الكتاب والسنة أذلَّ الله لهم أعداءهم، ومكَّن لهم في الأرض كما مكَّن لسلفنا الصالح، بالمحافظة على العمل بالشريعة المطهرة، وإن ما أصاب المجتمع الإنساني إنما هو من الإهمال في القيام بواجب الخلافة العظمى، لأن الخليفة يمثل مقام النبوة وهو قلب الجسد الإسلامي الذي يدير الجسم والجوارح، وبفقده يختل نظام الجسد.

والخليفة في الحقيقة هو المسيطر على الروح والجسم بتنفيذ أحكام القرآن والسنة وهو الإمام العدل، وما تمكن الأعداء من المسلمين إلا بفقد هذا الركن المهم، أو بعدم قيامه بما يجب عليه للمسلمين، وإهمالهم فيما يجب عليهم له، وجسم يفقد قلبه كيف تصح له الحياة؟ وإليك تحقق هذا الموضوع:

كان المسلمون أصحاب الطول والحول والقوة والمنعة، وكان العالم بأجمعه أتباعًا لهم، وكان هذا القلب قائمًا بما يجب عليه، حتى ضعف الخليفة بخروجه عن حدود الشريعة، واتخاذه أهل الغواية والطمع أعوانًا، فمرض المجتمع الإسلامي بالتفرقة والاختلاف، مرضًا مكن منه العدو الضعيف، إلى أن صارت الحال كما ترى من احتلال الأعداء أو استعبادهم أكثر الأمم الإسلامية، أو استبدال المسلمين بغيرهم، كما حصل في الأندلس وغيرها، أو بخروج بعض الأمم الإسلامية على بعض كما حصل بين الحجاز وسوريا وفلسطين والعراق بخروج حسين بن علي وأولاده على دولة الخلافة، وما اعتور المجتمع الإسلامي من خروج بعض من ولدوا في زمان انتشار العهارة، فإنهم نشروا الجحود، ومنهم من تنصر ودعا للنصرانية، ومنهم من مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، نجد سبب ذلك كله فقد الإمام القائم لإعلاء كلمة الله، وإن المسلمين يجب عليهم أن يتداركوا الأمر بالعمل لعودة الخلافة ليعود لنا مجد سلفنا.

الخليفة:

الخليفة على هذا هو أكمل صورة لرسول الله، فهو: الذَّكَرُ المسلم العاقل الغيور لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، المحب لمحاب الله ولمن يحبهم الله، المبغض لمغاضب الله ولمن يبغضهم الله، الموالي لمن والى الله تعالى، المعادي لمن عادى الله ورسوله بكفر أو ظلم أو معصية. وله على الأمة حقوق واجبة يعصون الله بتركها، وعليه للأمة حقوق لا يكون خليفة بتركها. قال رجل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: لو وجدنا فينا اعوجاجًا لقوَّمناك بسيوفنا، فقال عمر ما معناه: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوِّمني بسيفه إذا اعوججت. وما دامت الأمة الإسلامية على ما كان عليه السلف الصالح فالخليفة فرد من أفرادها، لا فرق بينه وبين أدنى مسلم، لا حق له على مسلم إلا على مرتكب إثمًا يوجب حدًّا، والخليفة في هذا الوقت منفذ لأحكام الله، والحكم في الحقيقة لله.

والمسلمون مع سيد الرسل المعصوم الموحى إليه شركاء في الشئون العامة، قال تعالى: )وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( (الشورى: 38)، وقال تعالى: )وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ( (آل عمران: 159)، وكان الصحابة – رضوان الله عنهم – في الأمور العامة يسألون رسول الله J، وقد سأل صحابي رسول الله في غزوة بدر عندما نزل في مكان قائلاً: يا رسول الله، هذا من عند الله؟ أم هذا الرأي والمشورة؟ فقال J: (بل هو الرأيُ والمشورةُ). فقال الصحابي: ننزل بمكان كذا، فأجابه رسول الله، وكان النصر والظفر. وفي وقعة أُحد حيث أحب رسول الله أن يجاهد المشركين وهو في المدينة، فرأى الصحابة الخروج إلى أُحد فخرج رسول الله وخرجوا معه. وفي وقعة الأحزاب شاورهم رسول الله فاستحسن سلمان الفارسي حفر الخندق حول المدينة، فقبل منه رسول الله.

والحوادث في هذا الشأن كثيرة، وهذا هو رسول الله المعصوم، ولكن الله تعالى أحب أن يجعل للأمة منزلة عنده سبحانه، وأن يرفعها لديه باستعمال مواهبهم التي وهبها لهم، لهذا يجب أن تكون الأمة فوق كل شيء، وليس فوقها إلا الحق، وأن يكون لها الحق في خلع من شاءت خلعه من الخلفاء، ما دام لا يحرص على إعلاء كلمة الله، وحفظ سنن رسول الله، والقيام بحفظ ثغور المسلمين، ومعاداة أعدائهم، ولهم أن يُولُّوا من شاءوا من المسلمين بالإجماع بالشروط المشروعة، وهذا حق من حقوق الأمة، وأعني بالأمة التي تولي وتخلع: أهل الشورى والغيرة من أئمة الأمة وأولي رأيها، ومتى أجمع هؤلاء كان حكمًا لازمًا على كل مسلم.

الواجب على الخليفة:

الواجب على الخليفة- إذا تحقق عجزه عن حفظ الثغور، وإقامة الحدود، ودفع الأعداء المحتلين البلاد الإسلامية- أن يجمع أهل العلم والشورى، وأن يجعل نفسه فردًا منهم، وينتخب خليفة غيره، رحمة بنفسه، وحفظًا للدين والمجد. فإن لم يفعل فعلى الأمة أن تخلعه بعد أن تقيم عليه الحجة، حفظًا للدين ورحمة بالمسلمين، ورغبة في نيل ثواب الله، ومحافظة على سنة رسول الله.

الواجب على المسلمين:

الواجب على المسلمين في مثل هذه الفتن المضلة؛ أن يتعصبوا للحق جميعًا، وأن يغاروا لله ولرسوله وللسنة المطهرة، وأن يتداركوا الأمر بالاتحاد على خلع رجل لا يضر المسلمين خلعه، تحفظًا من وقوع الفتن التي تفتح أبواب الشرور على المسلمين، وتمكن العدو من التداخل في شئونهم. وليس خلع خليفة بالبدع المضلة، وخصوصًا إذا كان المسلمون محاطين بالأعداء المستعبدين المستعمرين، فقد خلع المسلمون ذا النورين عثمان بن عفان 0، وخلع أبو موسى الأشعري الإمام عليًّا u، وخلع معاوية بن أبي سفيان الحسن بن عليٍّ u، وخلع بنو أمية معاوية بن يزيد بن معاوية، وغيرهم. إلى أن كان آخر مخلوع رجل الغيرة وليّ الله عبد الحميد خان رحمه الله. هذا وإن الشريعة تخلع الوالد عن التصرف في أولاده إذا أسرف في ماله المملوك له شرعًا، وتولي من يصلح شرعًا، وهذا الوالد، فكيف بمن ولاَّه المسلمون ليقوم بإصلاحهم وصلاحهم؟.

الحجة على ذلك: يعلم كل مسلم مطامع الأعداء الذين مزقوا المجتمع الإسلامي كل ممزق، وأجمعوا على أن يطفئوا نور الله بأفواههم بمعاهدة سيفر، وأعانوا برجالهم وأموالهم وسلاحهم اليونان على محو الخلافة وقوة الإسلام، ومزقوا جسد الأمة، فأعانوا رجلاً في الحجاز وألبسوه تاج الملك، وآخر في العراق، وآخر في الشام، وخدعوا في كل مجتمع من يدَّعون الانتساب إلى رسول الله J، واستعملوهم آلة لمحو الدين، وتمزيق المجتمع. حتى أظهر الله بقيته الباقية له من أنصار الله ورسوله وأنصار الخلافة الإسلامية وقتئذ، فقاموا لدفع شرور الأعداء عن بلادهم، فأيدهم الله ونصرهم وأمدهم بروح منه سبحانه، حتى تمكنوا من دفع العدو عن بلادهم، فظهر أن الخليفة المحصور في بيضة الإسلام والى الأعداء، وسارع لهم في تنجيز ما يحبون، وذل أمامهم فقبل مطالبهم، وأمضى عنه وكيله معاهدة سيفر، وأعلن خروج أنصار الله تعالى عن الحق، وهم الذين كانوا يقاتلون أعداء الله وأعداء رسول الله J، ويدفعون عنه شرور الأعداء، وأفتى بقتلهم، وأعلن حربهم، وأرسل لهم جيوشًا، متحدًا مع الأعداء مسالمًا، راضيًا عنهم، مسارعًا فيهم. وهذه الأعمال إذا ثبتت على أقل مسلم حُكِم عليه بالكفر، والله تعالى يقول: )لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ( (البقرة: 124)، فكيف يكون الموالي لأعداء الله إمامًا للناس؟ أو خليفة لرسول الله J؟ والله تعالى يقول: )لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ( (الممتحنة: 1). والموالي لعدو الله عدو الله.

المتعين الآن بعد إلغاء الخلافة:

أن ينتخب أهل الشورى والرأي والعصبة الإسلامية خليفة من أتقى المسلمين وأورعهم إن تيسر، ودليل ذلك من آثار السلف الصالح أن عمر بن عبد العزيز 0 طلب من أستاذه محمد بن سهل أن يبين له صفات عمر بن الخطاب ليعمل بها، وأن يدله على أهل التقوى فيوليهم أعمال المسلمين. فكتب إليه: يا عمر، إذا أنا بينت لك ما كان عليه أمير المؤمنين وقمت بها، فأين الرجال الذين كانوا مع عمر؟ يا عمر، سر في الناس بقدرهم في زمانهم، ولكني أدلك على خير: وَلِّ أمور المسلمين ذوي البيوت والشرف والمجد، فإنهم إن لم يمنعهم عن الدناءة دينهم؛ منعهم شرف أنفسهم.

والخليفة إنما هو حصن المسلمين ووالدهم، والشريعة لم توجب تعيينه من بيت مخصوص، ولو كان كذلك لتولى الأمر بعد رسول الله J العباس بن عبد المطلب، أو عليّ بن أبي طالب، وهُمَا مَنْ يعلم المسلمون قرابتهما من رسول الله J، وتولاَّه رجل من بني تيم أمره رسول الله أن يصلي بالناس في حياته، فلما تبين للمسلمين أن رسول الله اختاره لدينهم اختاروه لدنياهم، وهو أبو بكر الصديق 0، فالخليفة مختار الأمة، وأمينها، ووليها بعد رسول الله، فالحق في تعيينه للأمة.

الأولى بالمسلمين الآن:

الأولى بكل مسلم أن يشكر الله، ويتقرب إليه سبحانه بالصدقات والقربات على ما أولانا من النصر على أعدائنا، وأن يؤيد أهلاً ومحلاً، وتستقبل الأمة الإسلامية كل ما رآه المسلمون خيرًا لنا بقلب هاش باش حرصًا على الاتحاد وحفظ المجتمع الإسلامي.

وإني أسأل الله تعالى أن يجعل الرجال القائمين بتجديد الإسلام والسنة من الذين بشرنا الله بهم بقوله تعالى: )فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (المائدة: 54).

الإمام:

هو قيم الأمر المصلح له، ورسول الله J إمام الأئمة من الرسل الكرام قبله- عليه وعليهم الصلاة والسلام – ومن الخلفاء بعده، والخليفة إمام الرعية، ولفظة إمام لا تزال علمًا على الملك في بلاد اليمن، أو على المتقدم على الأمة. والاصطلاح الشرعي إبدال لفظة الإمام بالخليفة؛ لأن أصحاب رسول الله J كانوا يسمون أبا بكر الصديق خليفة رسول الله J، وكانوا يسمون عمر بن الخطاب 0 خليفة خليفة رسول الله J، حتى دعا رجل مصري عمرو بن العاص بيا أمير المؤمنين، فقال: هذه أولى بها خليفة خليفة رسول الله J، وكتب بها إليه.

وقد شرحنا طريق تعيين الخليفة، والواجب عليه للأمة، وعلى الأمة له في كتاب (النور المبين)([i]) ولكنَّا في سياق التفسير لا نخلى الموضوع من مزيد، قال رسول الله J: (مَا رآهُ الْمُسْلِمُون حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ)([ii]).

معلوم أن الله تعالى يقول: )مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ( (الأنعام: 38). فما من شيء كان في عهد رسول الله أو يحدث بعده إلا وبيَّنه القرآن المجيد، إما بالصريح الجلي، أو بآية جامعة تتضمن ما يحتاج المسلمون إليه إلى آخر الزمان كما قال الله تعالى: )وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ( (الشورى: 10). هذه هي الآية الجامعة، ثم فتح لنا باب الاستنباط بقوله تعالى: )وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ( (النساء: 83)، وإلى الرسول، أي: إلى السنة، وإلى أولي الأمر: العلماء الراسخون في العلم، سواء كانوا ظاهرين أو مستورين، وقد فهم قوم أن الأئمة هم الرسل عليهم السلام، ونعم، ولكن ذلك كان قبل إشراق شمس رسول الله JP لأن الرسل السابقين تنسخ شرائعهم، وترسل رسل أُخر، حتى أكرمنا الله برسوله J، وأبقاه J فينا، قال تعالى: )فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ( (الحجرات: 7).

وبقاؤه J فينا بتجديد أئمة الهدى، وقد غالى الإمامية حتى قالوا بعصمة الإمام، وليس الأمر كذلك في الحقيقة ونفس الأمر، والأمة لا تسلم تسليمًا إلا لله ولرسوله، ثم تسلم لأصحاب رسول الله، ثم تأخذ وتترك من غيرهم، فإن العصمة للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والواجب على الأمة أن تبذل ما في الوسع في اختيار الخليفة، ثم تكون سياجًا حوله، تحفظه من الأعداء إعانة له على الحق، وترده إلى الحق إعانة للحق عليه، حتى يكون الحكم لله وحده، قال تعالى: )إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ( (الأنعام: 57).

وأمة تقبل من الخليفة ما ليس صريحًا في كتاب الله وسنة رسول الله، ولا مأخوذًا منهما بتأويل قريب، عرضت نفسها لالتفات الله عنها ومفارقة رسول الله J لها، وسعادة الأمة بدوام مواجهة الله تعالى لها، ووجود رسول الله فيها، ومتى فقدت الأمة رسول الله J سلط الله عليهم أذل خلقه، فساموهم الخسف وجاسوا خلال ديارهم، وطعنوا في دينهم، واستعبدوهم في قعر دارهم بعد أن كانوا أرقاء يباعون في الأسواق، ولا أقوى من البرهان الحسي الملموس: كان السلف الصالح مجملاً بعزة الله وقوته وتمكينه إياهم في الأرض بالحق، محا الله بهم الكفر والظلم، وأذل بهم الجبابرة الطغاة من كسرى وقيصر وابن السماءين ملوك الهند والصين، وأراح عباده من ظلم الظالمين وإفساد المفسدين، حتى اختلف الخلف فتفرقوا شيعًا، قال تعالى: )فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلا مَنْ تَابَ( (مريم: 59-60). ونعم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسلط الله عليهم من كانوا أرقاء تحت أيديهم.

من هم اليونان والأرمن والإنجليز وأسبانيا وغيرهم ممن جاسوا خلال الديار وطعنوا في الدين؟ بل ومن هم الإفرنج واليابان والأمريكان إلا سياط غضب الله على قوم التفتوا عن الله وعن رسوله J بإضاعة حدود الله وشرائعه، وكيف لا؟ وقد أباحوا الزنا حتى صار مألوفًا، والربا حتى صار معاملة، والخمر حتى صار تحفة للزائرين، وأقبح من هذا أنهم سارعوا في أعداء الله، بل وأعانوهم على محو آثار رسول الله J من العمل بالقرآن والسنة، ومن تأييد الخليفة الأعظم، ومن التشديد على حجاج بيت الله، ومن التفرقة بعمل الأحزاب لمساعدة ألد خصوم رسول الله، ومن التعاون على إطفاء نور الله بفصل البلاد الإسلامية من الخلافة، وجعلنا ممالك بسفك دماء المسلمين كما فعل في الحجاز وفلسطين والعراق وغيرها من بلاد الشرق، كل تلك البلايا وهم لا يحسون بآلامها ولا يدركون سببها.

سبب ذلك- يا قوم- الالتفات عن الله ورسوله، وإنا- والحمد لله- مهما اشتدت الأزمة، وضاقت الحلقات، لا نيأس من روح الله، ولا نقنط من رحمة الله، قال الله تعالى: )إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا( (الفرقان: 70). وقال J: (إنَّ الله لا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلةٍ)([iii])، وهذا الحديث معجزة من معجزات رسول الله J.

([i]) يطلب من دار الكتاب الصوفي لنشر تراث الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبى العزائم قدس الله سره، 114 ش مجلس الشعب القاهرة.

([ii]) رواه بلفظ (… فهو عند الله حسن) كل من: الإمام أحمد فى مسنده 6/84 ح3600، والحاكم فى المستدرك 3/89 ح4527، والهيثمى فى مجمع الزوائد 1/428 ح832.

([iii]) سنن الترمذى 4/466 ح2167، وسنن ابن ماجه 5/440 ح3950، ومسند الإمام أحمد 45/200 ح27224، والمعجم الكبير للطبرانى 2/280 ح2171.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    بارك الله فيك نحن بحق في امس الحاجة لمثل هذا المقال اللهم انا نسألك الوحدة والاتحاد اللهم جمع شملنا ولا تفرقنا

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.