وسائل نيل المجد الإسلامي (24)

وسائل نيل المجد الإسلامي (24)

islam wattan . نشرت في المدونة 5994 1 تعليق

معلوم أن الحيوانات حرمت العقل الذي يعقل عن الله، ومتى فقد هذا العقل ولو من مجتمع إنساني انحط عن مرتبة البهائم، ولو أنه شاد أعظم المدن وتفوق في الصناعات والفنون. وإليك ما عليه الحيوانات في مجتمعاتها وخصوصًا المفترسة منها يقهر بعضهم بعضًا، لإبادتها وضررها لا لينال منها منفعة، حتى كأنه مطبوع على أنه لا يبقى في العالم غيره، أو لاعتقاده أن وجود ما سواه ضار له، أو أنه يقصد أن يجعل بقية الأنواع مستعبَدة له يستعملها في منافعه…

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

الوسيلة الخامسة لنيل المجد الإسلامي:أوربا تفوقت على الجاهلية الأولى

أنواع المجتمعات

مجتمع الحيوانات في الغابات وغيرها:

معلوم أن الحيوانات حرمت العقل الذي يعقل عن الله، ومتى فقد هذا العقل ولو من مجتمع إنساني انحط عن مرتبة البهائم، ولو أنه شاد أعظم المدن وتفوق في الصناعات والفنون. وإليك ما عليه الحيوانات في مجتمعاتها وخصوصًا المفترسة منها يقهر بعضهم بعضًا، لإبادتها وضررها لا لينال منها منفعة، حتى كأنه مطبوع على أنه لا يبقى في العالم غيره، أو لاعتقاده أن وجود ما سواه ضار له، أو أنه يقصد أن يجعل بقية الأنواع مستعبَدة له يستعملها في منافعه، فيفترس منها كل يوم ما فيه كفاية قوته وقوت أنثاه، وهذه صفة الحيوانات، فقد يكون كل شخص من نظيره بهذا الحال، فتراها دائمًا تتغالب ويهرب بعضها من بعض، والقاهر منها يكون متمتعًا بشهوتي البطن والفرج، وترى بعضها يهلك غيره، لأن بقاء غيره نقص ومضرة في وجوده، فإن أبقى الحيوان غيره فإنما يبقيه؛ لأن في طبيعته أنه موجود، ولينتفع به فيستعبده.

وهذه الطبائع التي في المجتمعات الحيوانية تشبه مجتمعات أوربا، فإنها بما أوتيت من آلات التدمير والإبادة تعمل عمل الحيوانات المفترسة، فإنها إذا وجدت قومًا عزلاً من السلاح ليس لهم دين يجمعهم ولا قوة تحصنهم، تغلبوا عليهم فأبادوهم بقوة الحديد والنار، والحجة في ذلك أمريكا وأستراليا ومجاهل إفريقيا. وإذا علموا بأمة متحدة بأخرى ذات قوة ولها دين يجمعها ومدن عامرة بالصناعة والفنون، خدعوها ففصلوها عن الأمة الحامية لها، واستعبدوها أولاً بالخديعة والكيد بدعوى أنهم رجال الإصلاح والرفق بالحيوانات وتحرير الرقيق والرحمة بالمرضى. فإذا تمكنوا بالخديعة والكيد كشفوا الغشاء الحريري الذي على اليد الحديدية، ولطموا الأمة بالحديد والنار كما فعلوا في شمال أفريقيا والهند والصين وجاوا وسوريا وفلسطين وسيبريا وغيرها، مع أن الجاهلية الأولى ما سمعناه عنها في التاريخ لم يبلغ غاية الظلم والجور هذا المبلغ.

وإليك بيان المجتمعات الجاهلية والضالة

كانت تلك المدن أيام كان دينها مؤسسًا على آراء ضالة سافلة مدنًا جاهلية، فقد كان يرى بعض من يدعون العلم بأسرار الكون لقومهم آراء أحط من حال الحيوانات فيقول: إنا نرى الموجودات المحسوسة متضادة، وكل واحد منها أعطى مع وجوده قوة يدافع بها عن نفسه من الهلاك، ومعه قوة أخرى يستخدم بها سائر الأشياء لينال باستخدامها السلامة والكرامة ونيل الشهوات، حتى بلغ بهم هذا الوهم الباطل مبلغًا صار به كل واحد من أصحاب هذه الآراء، هو الذي يجب أن ينفرد بالسلطة على الغير ونفوذ الكلمة حتى يكون سيد الجميع. وتلك القوى التي ذكرتها لك في الأنواع الحية، كالقرون في نوع البقر والغنم والغزال والكركدن، وكاللطم باليد في السباع، وكالأنياب والزلومة في الفيل، حتى والبراغيث، وكالسرة التي يعرك بها الجمل عدوه، وكالرفس بالرجلين في الحمير، وكالجرأة في النمر، وكاللدغ في إلقاء السموم في الأفاعي، وكاللسع في العقارب، وكالعظام التي في ظهور الأسماك، وكالثوب في الجحر التي تختبئ فيه الزحاف والحيوانات الصدفية، وكسرعة العدو في حيوانات الغابات الضعيفة، وكالأجنحة في الطيور، ومن القوى ما وضعه الحق تعالى في مناقير بعض الطيور كالديكة والباز والنسر من الطيور الجارحة، وكالعقل الذي يكتسب به الإنسان اختراع الآلات والأدوات المدمرة والمبيدة لكل حي، وكقوة التسلق على الأشجار في القردة والنسانيس، وكنظم المجتمع كما في بعض الطيور والنحل والنمل والأنواع التي لها مدينة كالحصون التي تحتمي بها، قال تعالى: )قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ( (النمل: 18)، وشر القوى التي يدافع بها الإنسان عن نفسه ويهلك غيره العقل المكتسب عند أهل النفوس الخبيثة، الذين عطلوا العقل الذي يعقل عن الله باقتدائهم بأهل الآراء السافلة، التي تجعل المجتمع الإنساني كمجتمع الوحوش الكاسرة في الغابات، وانتشرت تلك الآراء الوحشية بين كل الأمم الجاهلة والضالة حتى كان كل واحد منهم لا يستريح إلا بالانتقام ليكون جبارًا في الأرض، كما قال المصري لموسى A: )إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ( (القصص: 19).

كانت المجتمعات كلها قبل الإسلام جاهلية أو ضالة، أو مبدلة وهي مدن أهل الأديان السماوية الذين بدلوا الحق بالباطل. قال أرسطو في زمن الجاهلية لإسكندر المقدوني: (فَقِّرْ تَمْلِكُ) وكان بعضهم يقول: (اقْهَرْ تَسُدْ) وآراء أوربا الآن: “دمِّر المدن العامرة وأهلك سكانها بالحديد والنار تخلد إلى الأبد، وقدِّم أفراد الأمة لنار المقذوفات لتستريح من أمتك ومن أعدائك، وتستأثر بالحياة التي لا ينازعك فيها قريب ولا غريب” وقد أيدوا تلك الآراء السافلة بنشر الجحود من القائلين بأن الإنسان أصله قرد، وأن المادة هي الخلاقة وليس فوقها شيء، وأن الإنسان قادر على كل شيء. كل تلك الآراء المراد منها محو فضائل الأديان السماوية، والكفر بيوم القيامة.

ينحط الإنسان عن رتبة الوحوش الكاسرة، فتصبح الأرض- لا قدر الله ذلك- كما كانت قبل خلق الإنسان، كل إنسان على وجهها وحش كاسر، هذا ما عليه الغربيون الآن، وهي الهاوية التي تلقي بالإنسان في جحيم العذاب في الدنيا والآخرة، فلو تبصرت جيوش الدول الغربية المسوقة ظلمًا إلى فقد الحياة، ليتمتع أهل الآراء الباطلة، لثاروا عليهم ثورة لا تبقي منهم أحدًا لراحة المجتمع الإنساني. كان بعض ما عليه الغربيون صفات المدن الجاهلية والضالة، حتى أشرقت أنوار الإسلام بالسلام والرحمة والمساواة والحرية، فلما تساهل المسلمون عادت تلك الآراء المضلة، إلا أنها وضعت في عبارات خلابة، وانتشرت تلك الآراء في البلاد الغربية انتشارًا جعل القوم يسمون أرذل الرذائل فضيلة، وشر الظلم عدالة، واختراع الآلات النارية التي تبيد الإنسان إصلاحًا وعلمًا. ولم تقف المفاسد عند حدود أوربا، ولكنه مرض وبىء أصاب كثيرًا من أمراء الشرق، فترى الرجل يسعى ليسمي نفسه ملكًا، ثم يقوم ليغتصب جيرانه من الأمم، ويلقي الحروب الطاحنة بينه وبين إخوانه من الأمم المجاورة له بسلاح أوربا، لتستعبد أوربا الجميع بعد أن تنهك الحروب قواهم، فيصبح الملك منهم سوقة، ولات حين مندم. فأغاثنا الله لإحياء الروح الإسلامية برجال يحبهم ويحبونه.

الجاهلية الثانية في الدول الغربية أخطر على الإنسانية من الجاهلية الأولى:

الجهل نقص عظيم، ولكن الجاهل يعذر لجهله، وترك العمل بالعلم نقص عظيم، ولكن العالم لا يعذر بتركه، قال الله تعالى: )وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا( (النساء: 110).

كل إنسان على يقين من الموت، وللمسلم يقين آخر وهو أنه سيبعث ويحاسب، فإما إلى جنة وإما إلى نار، فنسيان غير المسلم للموت أو حرصه على الأعمال التي تدل على بقائه ودوامه من الطمع في الدنيا، والبخل بها، وطلبها ولو بإهلاك غيره سببه الجهل بيوم الحساب، وله سبب آخر: أنه يحب أن يتمتع بحياته الدنيا بجميع الملذات والشهوات، حتى إذا مات يكون قد تحصل على نيل جميع شهواته، ولكن المسلم كيف ينسى الموت حتى يظن أنه باق، وهو لا يمضي عليه يوم إلا ويرى نظائره مساقة إلى القبور، بل كيف ينسى ما آمن به من القضاء والقدر ويوم القيامة وحساب القبر، حتى يبلغ درجة من الغفلة تجعله من أهل الجاهلية بتقليده لأوربا، أقول: شرًّا من الجاهلية، وأقيم الحجة:

أهل الجاهلية ينكرون البعث وينافسون في البقاء منافسة تجعل الدماء رخيصة في جانبها، فكان الواحد منهم يقتل الآخر ليتلذذ بماله، وكانت أسباب ارتزاقهم السلب والنهب، ولكنهم مع ذلك كانوا أهل ذمة ووفاء، وحفظ للعهود والمواعيد، وأهل نجدة للجار، وأهل غيرة على الفضائل الاجتماعية، إذا أكل الرجل مع الرجل أنزله منزلة نفسه، وإذا قال له أعدى عدوه: أنا في ذمَّتك أنزله منزلة نفسه، وكان من وفائهم أن الأسير إذا ذكر المالك له بمقابلته مرة، أو بالأكل معه، أو بالشرب معه، أكرمه وفاء، وحروب (بكر وتغلب) سببها قتل كُلَيْب ناقة لامرأة في جوار جَسَّاس، لأن الرجل إذا نزل في جوار رجل جاهلي بذل لأجله ماله ودمه، وحفظ عرضه، قال حاتم الطائي:

وما ضر جارًا يا ابنة العم فاعلمي

يجاورنا ألا يكــون لــه ستر

وقال غيره:

ونكـرم جارنا مادام فينا

ونتبعه الكرامة حيث مالا

فكان الوفاء وصدق الوعد والغيرة والنخوة والنجدة من صفات الجاهلية العمياء، مع ما كانوا عليه من الشرور في منازعة البقاء، ولكنا أصبحنا الآن في حالة هي شر مما كان عليه أهل الجاهلية.

كان أهل الجاهلية ينازعون في البقاء بسيف ورمح وسوط، وأصبحنا نقلد أوربا، وأوربا تنازع في البقاء بكل وسائل الشر.

كان شياطين الجاهلية يطلبون بعض الأموال ويتركون النساء والعيال، إلا من دافعهم، فكانوا يقاتلون بالسيف والرمح فلا يقتل إلا أفراد في المعركة لا يعدون على الأصابع، كما يفعل اللصوص ليلاً، ولكن أوربا فاقت الجاهلية العمياء، فلا تكتفي بالمال ولا باستعباد الرجال والعيال، بل بلغ بهم الظلم إلى حد أنها تمحو أثر الأمة من على وجه الأرض، بالآلات الجهنمية التي تحصد النفوس حصدًا، وإلا فأين المسلمون في الأندلس وفي غيرها من جزر البحر الأبيض؟ وأين أهل أمريكا الزنوج؟ شياطين الجاهلية كانوا إذا وعدوا وفوا، ولو وعد الرجل بأن يحضر للقتل، ورجال أوربا المصلحون تكثر وعودهم وعهودهم ويسرع وعيدهم وعذابهم، فهم إن وعدوا إنما يعدوا ليستعدوا لحصد النفوس، ومحو آثار الأمم، وإن احتلوا للإصلاح أفسدوا وتسلطوا على الملوك والعقلاء وأهل النجدة والرأي، فأذلوهم في بلادهم، أو طردوهم منها، وإذا استجار بهم مستجير استعملوه في مضرة أهله. فإن أطاعهم عاملوه معاملة راعي البهائم لبهائمه، فسمنوه وأكلوه، أو غذوه واستعملوه.

تدعي أوربا أنها مصلحة، وناشرة للحضارة والمدنية، ولكن أين إصلاحها وحضارتها لأمريكا، أصلحت ولكن إصلاحها لمن؟ هل أصلحت السكان الأصليين؟ لا.. ولكن أصلحت نفسها بالسيادة والترف، والاختصاص بالخير دون غيرها من أهل البلاد.

يدَّعون أنهم جاءوا لرقي الأمم، ودفع المضار عنهم، ولكن أين آثار هذا الرقي؟ وأين آثار هذا النفع؟.

ظهرت آثاره جلية في سلب الملك من أهله، وحشو السجون بكبار الرجال، وحصد النفوس في الشوارع، وإطفاء شعلة العقول والأفكار، وغل الأيدي، وقطع الألسنة، حتى أصبحت الأمة المحتلة بدولة من دولهم أجهل من سكان أواسط أفريقيا، وأذل من الحيوانات الداجنة، قال العربي:

لا يحملُ فــي أرضٍ يعيشُ بها

إلا الأذلان عيــرُ الحي والوتدُ

هذا على الخسفِ مربوط برمتِه

وذا يشج فلا يـــرثى له أحدُ

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    بارك الله فيك نحن بحق في امس الحاجة لمثل هذا المقال اللهم انا نسألك الوحدة والاتحاد اللهم جمع شملنا ولا تفرقنا

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.