وسائل نيل المجد الإسلامي (28)

وسائل نيل المجد الإسلامي (28)

islam wattan . نشرت في المدونة 8767 1 تعليق

معلوم أن المجتمع الإسلامي مثَّله رسول الله J بالجسد. ولما كان كل جماعة من المسلمين في الأرض يمثلون عضوًا من أعضاء المجتمع الكلي الذي يشبه الجسد الواحد، ويمثلون مجتمعًا إسلاميًّا منفردًا يعمل لخيري الدنيا والآخرة، منفصلاً ومتصلاً، ولذلك مثل: رجل له أبناء أقام أحدهم في التجارة، والآخر في الصناعة، والثالث في الزراعة، والرابع في ضبط الأعمال، فمجتمعهم هو المجتمع…

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

خاتمة:

بالجد نيل المجد

المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد:

معلوم أن المجتمع الإسلامي مثَّله رسول الله J بالجسد. ولما كان كل جماعة من المسلمين في الأرض يمثلون عضوًا من أعضاء المجتمع الكلي الذي يشبه الجسد الواحد، ويمثلون مجتمعًا إسلاميًّا منفردًا يعمل لخيري الدنيا والآخرة، منفصلاً ومتصلاً، ولذلك مثل: رجل له أبناء أقام أحدهم في التجارة، والآخر في الصناعة، والثالث في الزراعة، والرابع في ضبط الأعمال، فمجتمعهم هو المجتمع؛ لأن كل واحد منهم بالنسبة للمجتمع ككل عضو للجسد، ولكن التاجر يعمل لنمو التجارة وانتشارها، فكأنه منفصل وفي الحقيقة هو متصل بإخوته؛ لأن الخير عام، فمصر أو الشام أو العراق وإن كانت مجتمعات منفصلة في ظاهر الأمر إلا أنها متصلة كل الاتصال بالمجتمع الإسلامي كاتصال اليد بالجسم، والرأس بالعنق, ولكل مجتمع من تلك المجتمعات حقوق واجبة عليها, وكل فرد منها مطالب كل المطالبة بالواجب المقدس عليه الذي هو طلب الخير للأمة, ودفع الشر عنها, والعمل لنيلها الاستقلال والحرية, بحيث لو خالف أحد منهم يعاقب يوم القيامة, وربما جهل بعض الأفراد فظن أن الخير الخاص به يمنعه عن المطالبة بهذا الحق المقدس، أو ربما سعى لنيل سعادة له وخير، ففرق بين المجتمع، وربما دعاه الحسد وطلب السيادة إلى مساعدة أعداء الأمة، وكل ذلك مفسدة عظمى، فإن هذا المغرور إذا نجح في قصده لا يلبس متمتعًا بالسعادة إلا زمنًا يسيرًا، ويذل بما يصيب الأمة من الذل؛ لأنه فرد منها، وإذا قدر الله تعالى وفازت الأمة برغباتها عاش ذليلاً مهانًا هو ومن بعده من أبنائه حتى يعذب يوم القيامة.

أقول: بالاتحاد يعود المجد ويقهر الضد؛ لأن الجسد لا يبلغ كمال صحته ومسراته إلا إذا اتحدت الأعضاء على العمل للجسد، فقامت العين واليد والأذن وغيرهم لخدمة الجسد، والاتحاد يكسب أهله خيرين: خير الشرف التاريخي الذي يكسبه المجد، وخير السيادة ونفوذ الكلمة وقوة العصبية. والتفرقة تهوى بصاحبها في ذلين: ذل احتقاره بين الأمة، وذل حرمانه من الثقة به، منحنا الله الاتحاد جميعًا.

إنما نسعد بما سعد به سلفنا الصالح:

إن الله تعالى بارك لنا في دينه الحق الذي جاء به الصادق الأمين J من عنده، فكنا قبل الإسلام شرًّا من الوحوش الكاسرة وأضل من البهائم الراتعة، في محيط صحارى قاحلة، وأودية ماحلة، يأكلنا الغير ولا نأكل، ويملكنا ولا نملك، نهيم على وجوهنا في الفدافد للسلب والنهب وقتل الأبرياء، حتى أتانا رسول الله J بالهدى ففتح الله به آذانًا صماء، وأعينًا عمياء، وقلوبًا غلفًا، حتى أذل الله لنا العالم أجمع ومحا بنا الظلم والتظالم، والباطل والضلال، وسرت أنوار الإسلام سرى الشمس في رابعة النهار، فكان المسلم يلبيه ربه وتخدمه الملائكة وتزول به عروش الملوك الظالمة وتيجانهم الطاغية. دام لنا هذا المجد مادمنا عاملين بوصايا رسول الله J مقتدين بأئمة الهدى، حتى تنافسنا الدنيا كما تنافسها من قبلنا فتفرقت القلوب، واختلفت الأهواء وتباينت المصالح، فسلط الله عليهم من لا قبل لهم به ممن كانوا يرهبوننا أشد من رهبتهم من الله تعالى ورسوله J.

يا قوم: تيقظوا من نومة الغفلة ورقدة الجهالة، إن الله مكَّن لنا في الأرض بالحق تمكينًا جعل تيجان الملوك تذل لنا، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، حتى أطاعنا كل شيء، ومنحنا الله العلم الذي به نستخدم ما حولنا من الحقائق، وهذه كتب الفنون والصناعات، والعلوم حجة قائمة على ما تفضل الله به علينا، فنحن أول من اخترعنا المخترعات النافعة، وأول من أظهرنا خبايا الكائنات، وأول من رفعنا شأن الصناعات، وأول من نشرنا العدل والفضائل بين جميع الأمم، وأول من دعا الأمم إلى الحق المبين، بالرحمة والشفقة والحكمة والموعظة الحسنة، وأول من محا الشرك والجحود والظلم والتظالم من العالم أجمع، ودام لنا الرقي والسلطان والمجد، حتى تساهلنا في ديننا، وعملنا بغير وصايا نبينا J، فكان الاستعباد والذل، والصغار والخزي، فتداركوا الأمر بالرجوع إلى الله وإلى العمل بسنة نبيه، فليس بعد العيان بيان.

يا قوم: إن من ترك السنة والكتاب أدخله الله العذاب، فكيف يرضى قوم بالعذاب في الدنيا بعد النعيم؟ وبالاستعباد بعد الملك، وكلهم يعلمون أن عذاب الآخرة أشد وأبقى.

يا قوم: ليس بيننا وبين المجد الذي كان لسلفنا، والتمكين في الأرض الذي كان لآبائنا، إلا أن نقول: يحيا القرآن المجيد، يحيا رسول الله J، تحيا السنة المطهرة، يحيا منهج السلف الصالح، ونعمل على تجديد سنن نبينا J، والأمر يسير، والوهاب القوي قادر قريب ممن تقرب إليه، وليست هذه نظرية تحتاج إلى برهان أو أمر جديد نريد أن نجربه، فكل مسلم تحقق بما كان عليه سلفنا الصالح وبما نحن عليه الآن.

يا قوم: ديننا الإسلام، ووطننا الإسلام، ونسبنا الإسلام، وسعادتنا في الدنيا والآخرة بالإسلام، فهلموا بنا- يا قوم- نتدارك الأمر قبل فواته.

لا تيأسوا من روح الله:

لم يترك من الجهل شيئًا من خطر على قلبه اليأس من روح الله، وليس بإنسان من ورد على قلبه القنوط من رحمة الله، فإن ديننا أقامه الله تعالى بسيدنا ومولانا محمد J منفردًا، وكل أهله وأقاربه أعداؤه، بل العالم أجمع، فلم تمض أعوام تعد على الأصابع إلا وقد أشرق نور الإسلام فعم الأكوان، فانمحت به ظلمات المجوسية، وظلم ملوك النصرانية، وأصبح تاج كسرى وقيصر وهرقل ومقوقس وغيرهم على الترب في شوارع المدينة المنورة، ذلاًّ للحق الذي محا ظلمات الظلم والتظالم بأحبابه وأنصاره.

إن الله I بشرنا بأنه يظهر ديننا على الدين كله، وهو القاهر الفاعل لما يريد، وبشرنا بأنه سوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يجددون ما اندرس من معالم دينه، ويحيون ما مات من سنن نبيه J، وإنا لنطمع أن نكون منهم- إن شاء الله تعالى- وقد آن الأوان، وبلغ الظلم عنان السماء، وجاس الإفرنج خلال الديار، وطعنوا في ديننا، وقد بشرنا رسول الله J بأنه لا تزال طائفة منا قائمة على الحق.

فالواجب علينا الآن أن نترك ما حرَّم الله تعالى، من الرِّبا والزِّنا والخمر والميسر والمسارعة في أعداء الله، وأن نظهر عداوتهم دينا – خصوصًا من أظهروا عداوة الله ورسوله والمسلمين – عملاً بقوله I: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ( (الممتحنة: 1).

ثم نبر ونقسط إلى من لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا، كما قال الله تعالى: )لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ( (الممتحنة: 8).

ويجب علينا معاداة غيرهم، والتباعد عن معاملاتهم كما قال الله تعالى: )إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ( (الممتحنة: 9).

يجب علينا أن نوالي من والى الله ورسوله، وأن نتحد قلبًا وقالبًا على المنفعة الإسلامية العامة، وأن نتجرد من العمل للمصلحة الخاصة بالنفس، وأن نعين من علمنا منه حب الله ورسوله، وبغض أعدائه, وتحققنا منه السعي للخير العام، وأن نطهر أنفسنا من الطمع في غير مطمع، ومن الحسد، باعتقاد جازم أن الموت قريب، وأن عداوة المسلم عداوة لله ولرسوله، وأن كل مسلم يسعى لخير نفسه وإخوته المسلمين، ثم نحافظ كل المحافظة على القيام بشعائر ديننا، ونترك ما نهانا الله عنه دفعة واحدة، مهما كان فيه من الخير العاجل لنا، كموالاة الأعداء، وتقليد خصومنا، وترك الواجب علينا خوفًا أو حياءً أو مداراة للعدو، فإن من ترك الحق حياء أو خوفًا أو مداراة للعدو فقد عظَّم غير الله تعالى، ومسلم عظَّم غير الله مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

يا قوم: للمداراة قدر مخصوص لا تتجاوزه، وللحياء حد محدود لا يخرج عنه، وللخوف صورة واحدة، وهى أن يخاف على نفسه الموت معتقدًا أنه ينجو فيتحيز إلى فئة قوية يقوم معها مجاهدًا لله، ومن خاف في غير هذه الصورة فترك الحق تركه الحق يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ومتى وفقنا الله تعالى لإحياء سنن رسول الله، والعمل بكتاب الله كان الله معنا، ولنا، وجدد بنا، ولنا، ما كان لسلفنا، قال I: )وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا( (النور: 55).

أيها المسلمون:

إن نصرتم ربكم أعاد لكم مجدكم:

قال تعالى: )إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد: 7).

تنزه الله وتعالى عن أن يحتاج إلى الخلق في قهر عدوه أو في تقوية جانبه سبحانه، ولكنه سبحانه خلق الإنسان حرًّا مريدًا، ركَّبه من العناصر المتضادة، وخلق نفوس بني الإنسان متفاوتة قصودًا وميولاً، إلا أنهم متحدون في ضرورياتهم وأغراضهم، متفاوتون في هممهم وآمالهم، ولما كانت نصرة العبد ربه سبحانه وتعالى تتحقق أولاً في الفرد بقهر نفسه على العمل الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وعلى ترك ما يكرهه الله تعالى فيكون في عمل ما لا يلائمه، وترك ما يلائمه طاعة لأمر الله تعالى، ناصرًا الله تعالى على نفسه، فإذا نصر الله تعالى بقهر نفسه على محاب الله سبحانه ومراضيه، نصره الله تعالى على أعدائه من الشيطان والنفس والجوارح نصرة تجعله مالكًا لتلك القوى، كما قال سبحانه عن كليمه: )رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي( (المائدة: 25). ومتى نصر الله العبد على نفسه فملكها كان الله معه، فقام العبد غيرة لله تعالى، ناصرًا الحق، محاربًا للباطل، كارهًا أن يرى ما يكرهه الله تعالى في الوجود وهو قادر أن يزيله بقلبه أو بلسانه أو بيده، وهذا سبيل رسل الله- صلوات الله وسلامه عليهم- وأي مجتمع من المسلمين تفضل الله تعالى عليه بتلك الموهبة فأخلص في محاربة قواه أولاً حتى ملكها، وقام ماحيًا للضلال والبدع، نصره الله وأيده، ولو قل، وكذلك كان رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، قال الله تعالى: )أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ( (التوبة: 109).

طريق النصرة:

أسباب نصرة الله للعبد أن يطالب بحق ثابت، وأن يكون الطلب على ما تقضيه الأحكام الشرعية، وأن يخلص الطالب في طلبه لله تعالى، وأن يستمد الحول والقوة من الله تعالى، مجردًا من الغضب لنفسه ومن حب الانتقام ممن خالفه في رأيه، وأن يأخذ بالمشورة قبل الإقدام حتى لا يغتر بنفسه في العمل اجتماعًا لقلوب المسلمين، ومتى توفرت تلك الأركان تحققت النصرة من الله تعالى، وفاز أهل الحق بحقهم وزيادة في الدنيا، وفازوا برضوان الله يوم القيامة، وسعد كل مطالب بالحق ولو مات قبل نيله.

ومعلوم أن المجتمع الإسلامي فقد صحته الروحانية التي كان بها يحب كل فرد للمجتمع ما يحبه لنفسه، فكان يحس الفرد في مراكش بما يتألم منه مسلموا الهند، كما تحس الرأس بألم خنصر الرجل، وكان يحس المجتمع في الهند بآلام المجتمع في شمال القوقاز كما تحس أصابع الرجلين بآلام الرأس، وجسم يتألم منه عضو ولا يحس بألمه ميت، وعضو يتألم الجسم ولا يحس بألمه مفقود الحياة.

كيف تعود تلك الحياة الروحانية؟:

تعود تلك الحياة الروحانية بما بدئت به، بدئت تلك الحياة الروحانية برسول الله J، فقد أظهره الله سبحانه لنا إنسانًا، وأعلمنا سبحانه أنه معصوم، فأقواله وأعماله وأحواله ومعاملاته وما بينه لنا هو الحق الذي به افتتحت سعادتنا، ونلنا به الخير الحقيقي في الدنيا والآخرة، وبلغنا به المجد الذي لا يزول، هذا أمر يقيني ليس بيننا وبينه إلا أن نذكر ما كان لسلفنا من المجد والعزة والملك والتمكين في الأرض بالحق، حتى بلغ ذلك المجد مبلغًا كان فيه المجتمع الإنساني بين مسارع إلى الإسلام بعقل واعتقاد، أو أهل ذمة لسماحة الإسلام وحسن معاملة أهله، أو أرقاء يباعون في الأسواق لجهالتهم وعنادهم للحق، والكل في حرية تامة، وراحة عامة، لمحافظة المسلمين على وصايا رسول الله J، ومسارعتهم إلى تنفيذ أحكام الله وحدوده.

ليس بين المجتمع الإسلامي وبين أن يعود له المجد الذي كان له شقة شاسعة، ولا مسافة واسعة، وإنما هي لمحة تحصل بها الصلحة، ونحن والحمد لله لم يغب عنا رسول الله J، ولن يغيب J وهو فينا ونحن معه، أما كونه J فينا فالقرآن المجيد والسنة المطهرة- حفظهما الله لنا من التغيير والتبديل، وسهل جدًّا علينا العمل بهما، والغيرة لهما، وإقامة حدودهما، وقهر المتساهلين على القيام بما أوجبه الله تعالى، ورغب فيه رسول الله J- وأما كوننا معه J فأمر لا يكلفنا مشقة، وليس بيننا وبينه شقة، وقد بين الله تعالى صفات وأخلاق وأعمال من يتفضل عليهم بمعيته J التي بها نكون مع الله تعالى، ويكون الله معنا.

مجتمع معه الله يفوز بما تمناه:

أقول مجتمع والحقيقة أن فردًا معه الله، يذل الله له كل من سواه، ودليل ذلك:

الهجرة: هاجر رسول الله J من بلده العزيز عليه وأقاربه بعد أن تحمل فادح الآلام ليس معه إلا الله تعالى، وكل أهل مكة مجمعون على قتله J، وأنت تعلم مقدار أهل مكة في المجتمع العربي، وصحبه الصديق 0، والعرب جميعًا عقدوا قلوبهم على بغض الحق الذي جاء به، وأجمعوا على قتله، فنال في هجرته J ما نال من الشدائد، حتى وصل إلى المدينة المنورة، فأظهر الله دينه، ونصر رسوله J وأيده حتى التجأ إليه J أهل المنعة والقوة من أعدائه، والله Y وعد أهل الإيمان برسوله J بأن يكون معهم ولهم، ماداموا معه وله، وإنما هي لمحة تحصل بها المصلحة. والله ولى المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار.

الواجب الأول على المسلمين الآن:

الغيب خفي عن الخلق, ولكل وقت واجب، فانتهز فرصة ما يقتضيه الوقت لتنال الخير بحسن النية وصحة الوسائل. ولما كان الغيب مستورًا, والمقصد محبوبًا, ونيله مشكوك فيه, وجب على القائم بالطلب أن يقف مع الشريعة بالأدب, حتى يفوز بالخيرين: خير مقصده, ورضوان الله تعالى, أو يرجع بالأجر من الله والإثابة, ومن أسرع للقيام بواجب الوقت مخالفًا الشريعة, غافلاً عن النية الحسنة, ورعاية جانب الله تعالى, غير معتمد عليه, يكون آثمًا إن نال قصده, أو محرومًا في الدنيا, معذبًا في الآخرة إن حرمه.

والوقت الحاضر يقتضي أمرين عظيمين: أهمهما الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله, لنجدد ما تركناه, ونعيد العمل بما أهملنا فيه, وهو المقصد الأسمى الذي به الفوز بكل قصودنا, والشأن الأهم الذي بإهمالنا فيه يضيع منا كل شيء, حتى حياتنا الإنسانية, فنعيش عيشة الحيوانات الداجنة التي تعمل لغيرها.

نتائج المحافظة على الشريعة:

يفوز المحافظون على الشريعة بالعزة في الدنيا من الحرية الحقيقية التي بها لا يرى المحافظ على الشريعة فوقه أحدًا إلا الله تعالى، فيكون عبدًا لواحدٍ أحدٍ ليس له شبيه ولا نظير من الخلق، فلا يذل إلا له سبحانه، وذله لله عين العز والمجد، ويفوز بطمأنينة القلب؛ لأنه خليفة عن ربه الذي له كل شيء، وأن كل ما سواه ومن سواه عبيد مربوبون لرب قادر، وعباد مقهورون بحكيم قاهر، فيقوم بحقوق الخلافة عن ربه عاملاً بالإخلاص بقدر استطاعته، يفوز المتمسك بالشريعة ببغض الكفر والضلال وأهلهما، ويعادي الرذائل وأهلها، ويحب الإيمان والهدى والفضائل، ويعادي أهل البدع والأهواء، يفوز بأن يتشبه برسول الله J، فيحصل العلوم النافعة، ويعمل الأعمال الصالحة، ويسارع إلى نفع الخلق بقدر طاقته، تشبهًا بالصديقين، ويتخلق بأخلاق الله تعالى من الحلم والعفو والإحسان والكرم لمن يستحق، ومن القهر والانتقام والشدة على من يستحق، حتى يكون كما خلقه الله في أحسن تقويم روحًا وجسمًا يفوز المتمسك بالشريعة بمحبة الله له فيكون نورًا لخلقه يهدي إلى الحق، ويلقي الله له المحبة في الخلق فيكون إمامًا للمتقين، هذا أول واجب أوجبه علينا الوقت الحاضر.

الواجب الثاني:

تابع للواجب الأول، وبه ينال, وهو المسارعة إلى رد ما فقدناه من ملك ووطن وعلوم وصناعات وفنون وحرية وإرادة, ودفع ما ابتلينا به من الاستعباد والاستبداد, وفساد الأخلاق والعوائد, وانتشار الفواحش ظاهرًا وباطنًا, والركون إلى أعداء الله تعالى, والمسارعة فيهم, وطلب الدنيا بأعمال الدين, وإهمال العمل بكتاب الله تعالى عملاً بما وصفه أهل الكفر, وفقد الغيرة لله ولرسوله وللفضائل, ونسيان القلوب يوم القيامة وهَوْله, ومحو الرحمة الإسلامية من بين المجتمع حتى من قلوب أفراد العائلات لبعضهم, وفقد الثقة من بعضنا لبعض ووضعها في أعداء الله ورسوله J وأعدائنا حتى تمكنوا منا لغفلتنا وغرورنا، هذان هما واجبا الوقت.

اليقظة للظفر بالمقصد الأعظم:

كل مسلم يعلم أن الله تعالى ما فرط في كتابه من شيء وأن رسول الله J بيَّن لنا كل شيء من أحوالنا الشخصية، للفرد وحده، وله مع والديه وإخوته وأرحامه، وله مع زوجته وأولاده وأتباعه، وله مع جيرانه ومع أهل قريته، وللفرد مع شركائه ونظرائه في عمله، من تجارة وزراعة وحرفة وصناعة وخدمة لكل فرد مع كل فرد، ومع المجتمع، وللأفراد مع بعضهم من المسلمين، ولهم مع أهل الذمة وللمجتمع مع أهل الحرب.

بيَّن الله لنا كل شيء حتى علمنا كيف نأكل، وكيف نلبس، وكيف نلامس النساء، وكيف نمشي، ووضَّح لنا رسول الله J بعمله وقوله كل شيء من شئوننا مما لا تهتدي إليه العقول، ولا تصل إليه الأفكار، بالبحث والتجارب، رحمة من الله تعالى بنا، وعناية، فصرنا- والحمد لله- أعزاء بالله بعقائدنا، سعداء بعبادتنا لله تعالى، إخوانًا متحابين بالتشبه برسول الله J، أغنياء بمسارعتنا لما أمرنا الله به من العمل للخير العام، في أمان من شرور الخلق بالتمسك بحسن المعاملة الشرعية، أصحاء الأبدان بتحريم الخمور والفحشاء والفجور، يهابنا ملوك الأرض لتعظيمنا لله تعالى، ومحافظتنا على أحكامه. لَعَمْرُ الله هذا هو العز في الدنيا والمجد في الآخرة، به تخضع لنا تيجان ملوك الأرض، وبه نفوز بجوار رسول الله يوم العرض.

لذا يجب علينا أن نتبصر في أمورنا، ونتوقى مكائد أعدائنا، ونعتصم بالله تعالى، عاملين بكتابه سبحانه، وبسنة نبيه J، ونعتقد أن الحياة الدنيا دار فناء فنحتقر حظوظها وملاذها، متحدين على العمل بالقلب والقالب فيما ننال به سعادتنا في الدنيا ونعيمنا في الآخرة، محتقرين كل رياسة أو ثروة أو سعادة توقعنا في التفرقة وشتات الحال، فإن عدونا قوي يقظ.

وننبه إخواننا بمصر واليمن والشام وغيرها من البلاد الشرقية أن يعتبروا بما فات، وأن يستقبلوا المستقبل بقلوب اتحدت على نصرة الحق، وأبدان اجتمعت لتجديد المجد لنفوز بالسعادتين، ونحظى بالحسنيين، ولنعتقد أن عزنا ومجدنا بالرجوع إلى أحكام ديننا، قال الله تعالى: )وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ( (آل عمران: 126). وقال سبحانه: )وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ( (الروم: 47).

أسأل الله تعالى أن يمكن لنا في الأرض بالحق، وأن يحفظنا من الفتن المضلة، ويوفقنا للعمل بمحابه ومراضيه.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    بارك الله فيك نحن بحق في امس الحاجة لمثل هذا المقال اللهم انا نسألك الوحدة والاتحاد اللهم جمع شملنا ولا تفرقنا

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.