يا مسلمي العالم اتَّحِدوا (1)

يا مسلمي العالم اتَّحِدوا (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 6050 لاتعليقات

أكد الإسلام بأن المسلمين أمة واحدة يجب عليهم أن يحتفظوا بتماسكهم وبقوتهم وباستعدادهم للوقوف أمام أعدائهم وللدفاع عن أنفسهم، وهذه المهمة بالذات هى التى تهتم بها الطريقة العزمية…

سماحة السيد علاء أبو العزائم

يا مسلمي العالم اتَّحِدوا (1)

الأمة الإسلامية الواحدة

أكد الإسلام بأن المسلمين أمة واحدة يجب عليهم أن يحتفظوا بتماسكهم وبقوتهم وباستعدادهم للوقوف أمام أعدائهم وللدفاع عن أنفسهم، وهذه المهمة بالذات هى التى تهتم بها الطريقة العزمية.

ونحن ندعو الشعوب الإسلامية إلى توحيد صفوفهم والتمسك بدينهم، وندعو العلماء والمثقفين بالاجتماع حول مائدة الكتاب والسنة، فيركزوا على المشتركات، وهى أكثر من خمس وثمانين بالمائة، سواء فى صعيد السنة، أو فى حقل الشريعة والعقيدة، وأما الكتاب الكريم فهم متفقون عليه بحمد الله تمامًا.

وأما فيما اختلفوا فيه من المذاهب فليعترفوا جميعًا بمذاهبهم، ويجعلوها مدارس فقهية وكلامية، ويجعلوا دعوتهم باسم الإسلام، ويتبادلوا الآراء بينهم فيأخذوا بأحسنها عملاً بقوله تعالى: )فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ( (الزمر: 17 – 18).

المسلمون أمة واحدة ورسولهم واحد[1]

يتفق المسلمون جميعًا على اختلاف مذاهبهم أن الله هو خالق الكون وأنه أرسل رسوله بالشريعة التى أكملت الدين الحق الخاتم، وأن الإسلام هو التسليم لله والسلام للناس، كما يتفق المسلمون أن الرسول J كان أسوة فى تطبيق الدين المكتوب بالكلمات فى حياته J، وكان الناس عندما يسمعون الآية منه يبادرون إلى تطبيقها جهد المستطاع، ولهذا أرادنا الله تعالى أن نقتدى به فى كل ما قاله وفى كل ما فعله؛ لأن أقواله رسالة وأفعاله رسالة، فهو المعصوم بعصمة الله تعالى له، الذى لا يخطئ فى قول ولا فعل، وقد قال الله تعالى لنا مخاطبًا الناس جميعًا: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ( (الأحزاب: 21)، وقال تعالى عن رسوله وهو يصفه: )وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ( (القلم: 4)، فلا بد أن يكون للمسلمين جميعًا الخلق العظيم الذى يتحرك فى شخصياتنا، ويتعمق فى كياننا، أن يكون الإنسان المسلم هو إنسان الأخلاق فى نفسه وفى بيته والمجتمع كله، يرى ويلمس الناس منه الخير والرحمة والمحبة، وقد قال الله تعالى وهو يتحدث عن رسوله: )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ( (التوبة: 128).

لقد كان الرسول J رسول الإنسانية، يعيش إنسانيته فى إنسانية الآخرين، فكونوا مثله، وتأسوا به، ليحمل كل واحد هموم الناس من حوله، قال تعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ( (آل عمران: 159)، وقد عبر J عن أهمية إحساس المسلمين بعضهم ببعض فقال: (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر)[2]، ذلك هو شرط أن نكون مسلمين كما هو الإسلام، فالإسلام قول وفكر وعمل وإحساس وشعور بكل ما تعيشه الأمة الإسلامية من آلام وأحزان؛ وذلك حتى لا ينالها سوء، أو تسقط أمام التحديات.

أسباب الوحدة

يُجمع المسلمون جميعًا على الإقرار بأركان خمسة والعمل بمقتضاها، وهذه الأركان هى:

1- شهادة أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا رسول الله.

2- وإقام الصلاة.

3- وإيتاء الزكاة.

4- وصوم رمضان.

5- وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.

وهذه الأركان الخمسة هى التى وردت فى الحديث الصحيح عن رسول الله J أنه قال: (بُنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)([3]).

إن التعاون بين المسلمين واجب بموجب هذا الأمر الإلهى الصريح )وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ َالتَّقْوَى( (المائدة: 2)، فكيف به إذا أضاف المسلم إليه ما يعمله ويعلمه غيره من أن مكانه المسلمين، بل منزلة الإسلام فى نفوس الآخرين ستضار جدًّا إذا لم يتعاون المسلمون ويعملوا معًا لما فيه خدمة دينهم، كما إن مسئولية الحكومات يجب أن تعمل على إيجاد فرص التعاون بين المسلمين، وتلافى كل ما يؤدى إلى الفرقة والخلاف والتخاذل، وأن تقر مبدأ الحوار للتقريب بين وجهات النظر، وأكثر دعاوى الخلافات الرائجة الآن بين شعوب الأمة تعد مفتعلة؛ لأن الجميع مسلمون، لهم رب واحد ودين ونبى واحد وقبلة واحدة.

ثم إن الخلاف الطائفى الشيعى السنى، ليس الخلاف الوحيد فى تاريخنا الإسلامى وواقعنا المعاصر، فقد كانت ولا تزال هنالك خلافات مريرة داخل كل طائفة، داخل الشيعة أنفسهم وكذلك السنة، إضافة إلى الخلافات القومية والقبلية والطبقية التى تفجرت عبر التاريخ وتتفجر هنا وهناك باستمرار.

بحيث نستطيع القول: إن الخلاف الشيعى – السنى يتراجع إلى درجة كبيرة أمام تلك الخلافات، وأنه لا يوجد فى الحقيقة خلاف جدى بين الطائفتين، ما عدا وجود بعض الحواجز النفسية والمسائل البسيطة.

فالأمة الإسلامية أمة واحدة جعل الله I الانتماء لها مقدم على الانتماء للعرق أو اللون أو الجنس، والآيات القرآنية الكريمة تؤكد هذا المعنى – وهى قوية – إلى توحيد الكلمة، واجتماع الصف المسلم، منها قوله تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( (الأنعام: 103) وقوله: )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ( (الأنعام: 159) وقد تضمنت أيضًا آيات كثيرة:

1- التحذير من دسائس غير المسلمين، ومن طاعتهم فيما يوسوسون به.

2- التعبير عن الاتحاد بالإيمان، وعن التفرق بالكفر، فإن معنى: )وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (البقرة: 109)، أى بعد وحدتكم وأخوتكم متفرقين متعادين.

3- الاعتصام بحبل الله من الجميع هو أساس الوحدة والتجمع بين المسلمين، وحبل الله هو الإسلام، والقرآن، والولاء لأهل البيت، والطاعة، والجماعة… إلخ.

4- التذكير بنعمة الأخوة الإيمانية بعد عداوات الجاهلية وحروبها، وهذه من أعظم النعم بعد الإيمان )وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (الأنفال: 63).

5- لا يجمع الأمة أمر مثل أن يكون لها هدف كبير تعيش له، ورسالة عليا تعمل من أجلها، وليس هناك هدف أو رسالة للأمة الإسلامية أكبر ولا أرفع من الدعوة إلى الخير الذى جاء به الإسلام، حتى تملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وهذا سر قوله تعالى فى هذا السياق: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( (آل عمران: 104).

التاريخ سجل العبر، والواعظ الصامت للبشر، وقد سجل أن من قبلنا تفرقوا واختلفوا فى الدين فهلكوا، ولم يكن لهم عذر؛ لأنهم اختلفوا بعد ما جاءهم العلم، وجاءتهم البينات من ربهم، ومن هنا كان التحذير الإلهى: )وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (آل عمران: 105).

هذا وقد أكد القرآن أن المسلمين – وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم ولغاتهم وطبقاتهم – أمة واحدة، وهم الأمة الوسط الذين جعلهم الله )شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( (البقرة: 143) وهم كما وصفهم القرآن: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ( (آل عمران: 110)، وأعلن القرآن أن الأخوة هى الرباط المقدس بين جماعة المسلمين وهى العنوان المعبر عن حقيقة الإيمان: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( (الحجرات: 10)، وجاءت الآيات بعد هذه الآية تقيم سياجًا من الآداب والفضائل الأخلاقية يحمى الأخوة مما يشوهها ويؤذيها، من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ( (الحجرات: 11، 12). وحذر القرآن من التفرق أيما تحذير، ومن ذلك قوله تعالى: )قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ( (الأنعام: 65).

الأمة هنا هى مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شىء، ولم يخصَّها – فى هذا المجال – بشىء، فإذا هى استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحَّدت كلمتها، وجمعت صفَّها، عزَّت وسادت وانتصرت على عدوِّ الله وعدوِّها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هى استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها، من خلال تفرقها، وتمزق صفوفها، وإلا لم يكن هناك معنى لقوله تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا( (آل عمران: 103)، ولا لقوله سبحانه: )وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ( (الأنفال: 46)، ولا لقوله جل شأنه: )إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ( (الصف: 4)، ولا لقوله عز من قائل: )وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ( (الروم: 31 – 32)، ولا لقوله: )وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ( (المؤمنون: 52).

مفهوم وأبعاد

الوحدة الإسلامية

الوحدة والخصائص المميزة

لا ينبغى أن يفهم من الوحدة نفى الخصائص المميزة لكل شعب من شعوب الأمة الإسلامية، ولا الخصائص المميزة لكل أصحاب مذهب، أو طريقة، أو جماعة، أو جمعية، داخل هذه الوحدة، فالوحدة فى الإطار العام تنفى التناقض، ولكنها لا تنفى الاختلاف فيما هو خارج نطاق الأصول العامة للإسلام.

فوحدة الأسرة ليس معناها إذابة كل الفروق النفسية والعقلية بين أعضائها فكل مُيَسَّر لما خُلِقَ له، ووحدة المجتمع لا تعنى القضاء على اختلاف وجهات النظر فيما هو محل اجتهاد ولا تعنى طمس معالم ذاتية الأفراد واعتبارهم أدوات صماء أو نسخًا مكررة، فتلك وحدة لا يمكن أن تبنى مجتمعًا متماسكًا.

والشىء نفسه ينطبق على وحدة الأمة الإسلامية بصفة عامة، إذ ليس معنى هذه الوحدة طمس الخصائص التى تتميز بها شعوب الأمة الإسلامية وجعلها بلا لون؛ فقد خلق الله الناس شعوبًا وقبائل لتتعارف وتتآلف لا لتذوب خصائصها كلية، وإلا لم يكن هناك داع فى الأساس لجعلهم شعوبًا وقبائل.

وكمثال بسيط يعبر عن احترام الإسلام لما تتميز به كل طائفة أو قوم من خصائص ما دامت لا تتناقض مع مقررات الدين: ما رواه النسائى وابن ماجة وأحمد عن السيدة عائشة 1: (أنها زفَّت جارية يتيمة كانت فى حجرها لرجل من الأنصار، فدخل رسول الله ولم يسمع الغناء. فقال: يا عائشة ألا بعثت معها من يغنى فإن الأنصار قوم يحبون الغناء أو يحبون الغزل. فلو بعثتم معها من يقول:

أتينـاكـم أتينـاكـم

فحيُّـونـا نحيِّيكـم

فلولا الذهـب الأحمر

ما حلَّـت بواديكـم

ولولا الحنطة السمراء

ما سمنت عذاريكم([4])

فوحدة الأمة الإسلامية لا تصادم أية خصائص يتميز بها كل شعب من شعوب الأمة الإسلامية ما دامت فى الإطار المشروع، وما دام الجميع ملتزمين بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ويكون سلطان جميعهم القرآن ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذى ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه.

الوَحدةُ الكمِّيَّةُ والوَحدةُ النَّوعيَّةُ

الإسلام عندما يتحدث عن وحدة الأمة الإسلامية ويحثُّ عليها ويدفع المؤمنين دفعًا إليها فإنه لا يركز بأية حال من الأحوال على مجرد الكثرة العددية، فالوحدة الكمية لا يمكن أن تكون هى الأساس المتين لبناء الأمة وقوتها.

فإذا انبنت مثل هذه الوحدة على أساس من الكثرة العددية فقط فسيكون البناء بناءً هشًّا لا قيمة له ولا قوام، وهذا يمكن أن نطلق عليه – بمصطلحات العصر- أنه وحدة شعارات خالية من المضمون.

وينطبق على مثل هذه الوحدة الهشَّة – التى تعد جسدًا بلا روح – ما عبر عنه النبى J بغثاء السيل. فقد روى أبو داود فى سننه والإمام أحمد فى مسنده أن رسول الله J قال:

(يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله فى قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)([5]).

وعندما نظر المسلمون فى غزوة حنين إلى كثرة عددهم وأصابهم شىء من الغرور وقالوا: لن نُغلب اليوم عن قلة؛ دارت عليهم الدائرة، وفى ذلك يقول القرآن الكريم: )وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ( (التوبة:25).

ومن أجل ذلك يركز الإسلام على الوحدة النوعية؛ فالنوعية المؤمنة القليلة العدد تستطيع – بوحدتها وتماسكها وقوة إيمانها وثقتها بنصر الله – أن تتغلب على الكثرة الكاثرة الخاوية من الإيمان.

وفى ذلك يقول القرآن الكريم: )كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ( (البقرة:249).

فبناء وحدة الأمة لا بد أن يقوم على أسس راسخة حتى يكون بناء متينًا شامخًا، ولا بد أن تكون عناصر هذا البناء قوية متينة.

ومن هنا نجد النبى J يؤكد على أن (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)([6])، وأن (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)([7]).

([1]) السنة والشيعة نموذج الوحدة فى زمن الفتن ص13-20، ط.1، 2010م – ليبيا.

([2]) صحيح مسلم باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ح4686، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 30/381 ح18434.

([3]) صحيح البخارى 1/19 ح8 باب دعاؤكم إيمانكم، وصحيح مسلم باب أركان الإسلام ودعائمه ح20.

([4]) سنن النسائى الكبرى 3/332 ح5566، ومسند ابن ماجة 3/340 ح1900، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 27/267 ح16712.

([5]) سنن أبى داود 2/514 ح4297، ومسند الإمام أحمد 14/331 ح8713.

([6]) صحيح مسلم، كتاب القدر، ح2664.

([7]) صحيح البخارى 9/103 ح2446 باب نصرة المظلوم، وصحيح مسلم ح4684 باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.